خليل الصفدي

327

أعيان العصر وأعوان النصر

كان أمره عجيبا ، وحاله تجعل الولدان شيبا ، خلب عقول الكبار من الفضلاء ، وسحر بحاله السادة النبهاء النبلاء ، لم نسمع عن أحد ما بلغنا عنه من الأمور الخارقة ، والأحوال التي هي للعوائد مفارقة ، حكى عنه جماعة فضلاء لا أتهم علومهم ، ولا استنزل حلومهم ، حكايات ما أدري ما هي ، ولا أعرف ما تضاهي ، إلا أنها بعيدة عن تصديق عقلي بها ، نائبة عن انفعال نفسي لصحّتها عند تقليبها . ولكن شاع هذا عند كثير من أهل عصري ، وأخذ كل منهم على ذلك إصري ، فما أدري ما أقول إلا أن جماعة كفّروه ، وأخرجوه عن حمى الإسلام ونفّروه ، واللّه يعلم السرائر ، وما تنطوي عليه الضمائر ، وحكم بإراقة دمه من دمشق ، وكان يكون ذلك درية للسيوف عند المشق : ( الوافر ) وضاقت خطّة فخلصت منها * خلوص الخمر من نسج الفدام وفرّ إلى الديار المصرية ، وانقطع بالجامع الأزهر ، وأتى هناك بأشياء مما أتى به في دمشق وأشهر ، ثم إنه عاد إلى دمشق بعد مدة مديدة ، وأقام بالقابون ، واستمر الناس يترددون إليه . ولم يزل على حاله إلى أن جاءه ما أعجز الأوائل والأواخر ردّه ، وفصل أوصاله الذي لا يلف على طول المدى خده ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - ليلة الأربعاء في السادس عشر من شهر ربيع الآخر سنة أربع وعشرين وسبعمائة . كان والده الفقيه قد تحوّل بولديه بعد الثمانين إلى دمشق ، وسمعا من ابن البخاري ، وجلس أبوهما للإفتاء ، ودرس ، ومات وقد شاخ ، فتزهّد محمّد هذا ، وحصل له حال وكشف ، وانقطع وصحبه جماعة ، فهوّن لهم الشرائع ، وأراهم بوارق شيطانية ، وكانت له قوة نفسانية فعّالة مؤثّرة ، فقصده الشيخ صدر الدين بن الوكيل ، وقلّده جماعة في تعظيمه ، وكان ممن قصده الشيخ مجد الدين التونسي النحوي ، فسلكه على عادته ، فجاء إليه في اليوم الثالث في الوقت الذي قال له يعود فيه ، وقال له : ما رأيت ؟ وقال : وصلت في سلوكي إلى السماء الرابعة ، فقال له : هذا مقام موسى بن عمران ، بلغته في ثلاثة أيام ، فرجع الشيخ مجد الدين إلى نفسه ، وتوجّه إلى القاضي المالكي ، وحكى له ما جرى ، وجدد إسلامه ، وطلب الباجربقيّ ، وحكم بإراقة دمه القاضي جمال الدين المالكي قاضي القضاة بمحضر جماعة من العلماء في يوم الخميس الثاني من ذي القعدة سنة أربع وسبعمائة ، وفي السابع عشر من رمضان حكم قاضي القضاة تقي الدين الحنبلي بحقن دمه بحكم عداوة الشهود ، وذلك في سنة ست وسبعمائة ، وكان الشهود عليه مجد الدين التونسي ، وعماد الدين محمّد بن مزهر ، والشيخ أبو بكر شرف الصالحي ، وجلال الدين بن النجاري خطيب الزنجلية ، ومحيي