خليل الصفدي

319

أعيان العصر وأعوان النصر

عظيم ، ودفن في مقابر الصوفية . ومولده بالموصل سنة ست وستين وستمائة . وسكن الروم مع والده وأخيه ، وولي بها قضاء ناحية ، وله من العمر نحو ثلاثين سنة ، وتفقّه وناظر ، واشتغل وتخرّج به الأصحاب ، وناب في قضاء لأخيه قاضي القضاة سنة ست وتسعين ، وناب في ما أظن لقاضي القضاة نجم الدين بن صصرى في أول المحرم سنة خمس وسبعمائة ، وولي خطابة الجامع الأموي مدة . وطلبه السلطان إلى دمشق في جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وسبعمائة ، وشافهه بولاية قضاء الشام ، ووصله بذهب كثير ، ولما طلبه دافع عنه تنكز ، فقال : هذا عليه ديون كثيرة ، وابنه نحس ما يجمل أن يكون أبوه قاضي القضاة ، فقال السلطان : أنا أوفي دينه ، وولده ، أنا أدعه يقيم في الديار المصرية ، فجهّزه في نصف جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وسبعمائة ، صلّى بالناس صلاة الخسوف ؛ لأن القمر خسف تلك الليلة ، ثم إنه صلّى الصبح يوم الخميس ، وسافر إلى القاهرة . وعاد إلى دمشق في الخامس من شهر رجب يوم الخميس ، وباشر المنصب على أتمّ ما يكون ، وصرف مال الأوقاف على الفقراء والمحتاجين ، ورآك المدارس ، واستناب الشيخ جمال الدين ، ولما كان في يوم الجمعة نصف جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وسبعمائة وصل البريد إلى دمشق ، فطلبه إلى مصر ، وولاه السلطان قضاء الديار المصرية وعظّمه ، ورفع شأنه ، ورأى من العز والوجاهة ما لا رآه غيره ، وكان يرمل على يد السلطان في دار العدل . قال لي القاضي شرف الدين أبو بكر بن الشهاب محمود ، وقد كان كاتب السر بمصر ، وقد خرج من يوم الاثنين نهار دار عدل ، اليوم أخرج قاضي القضاة جلال الدين من كمه ست عشرة قصة غير ما شفع فيه وأشار به ، وشكر منه ، والجميع يقضيه السلطان وما يردّه . وحجّ مع السلطان ، ورتب له ما يكفيه بزيادات ، وأحسن في مصر إلى أهلها وإلى الشاميين ، وكان في باب السلطان ذخرا ، وملجأ لمن يقصده من الشاميين ، يشفع له ويساعده على مقاصده ، ويصله عند قدومه وعند سفره ، وما بين ذلك ، وأحبّه المصريون ، وفتح لهم باب الاشتغال في الأصول ، كنت يوما عنده ، وقد جاء إليه محضر فيه شهود ، فوقف على أسماء الشهود اسما اسما ، والتفت ، وقال : من هو فلان ؟ فقال أحد الواقفين : أنا يا مولانا ، فقال له : ما أنت الذي كان يعمل الدوادارية لقبجق ، قال : نعم ، قال : ما هذه الحالة ؟ ، فشكا بطالة وقلّة ، فقال له : اصعد إلى فوق وأجلسه ، ولما انقضى ذلك الشغل ،