خليل الصفدي

320

أعيان العصر وأعوان النصر

وخفّ المجلس ، ولم يبق إلا من هو به خاص ، أخرج كيس النفقة ونفضه ، فنزل منه ما يقارب المائة ، فقال : خذ هذه ارتفق بها في هذا الوقت ، وعد إذا فرغت . ولما كان في مصر رسم له السلطان بالعودة إلى دمشق قاضي القضاة كما كان أولا ، فحضر إليها وصحبه ، وصحب أولاده من المجلدات النظيفة النفيسة ما يزيد على خمسة آلاف مجلد ، وفرح الناس به ، فأقام قليلا وتعلل ، وأصابه فالج إلى أن توفي - رحمه اللّه تعالى - في التاريخ المذكور ، وتأسّف الناس عليه لما كان فيه من الحلم ، والمكارم وعدم الشر ، وعدم المجازاة لمن أساء إليه بالإحسان ، وكان ينتسب إلى أبي دلف العجلي ، وكرمه بصدق هذه الدعوى . وكان فصيحا بليغا ، في وقت البحث والجدل منطقيا ، إلا إذا علا صهوة المنبر ، فإنه ليس ذلك لغلبة الحياء . وكان مليح الصورة حلو العبارة ، كبير الذقن رسلها موطأ الأكناف ، سمحا جوّادا حليما ، جم الفضائل حاد الذهن ، يراعي قواعد البحث ، وكان يحب الأدب ، ويحاضر به ، وله فيه ذوق كثير يستحضر نكته ، ويكتب خطا جيدا حسنا ، وصنّف في المعاني والبيان مصنّفا ، وسمّاه « تلخيص المفتاح » وشرحه ، وسمّاه « الإيضاح » ، وقرأ عليه جماعة بمصر والشام ، وكان يعظّم الأرجاني الشاعر ، يرى أنه من مفاخر العجم ، واختار شعره ، وسمّاه الشذر المرجاني من شعر ، وعلى الجملة فكان من أفراد الزمان في مجموعه علما وعقلا وأخلاقا ، وأجاز لي بخطه في سنة ثمان وعشرين بالقاهرة . وكتبت أنا إليه ، أهنّيه في الديار المصرية لما قدم من الحج سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة بقصيدة فائية ، وهي : ( البسيط ) من خصّ ذاك البنان الغضّ بالتّرف * وزان ذاك القوام اللّدن بالهيف وضمّ في شفتيها درّ مبسمها * فراح من أحمر المرجان في صدف وحلّل الفرق فرعا من ذوائبها * والبدر أحسن ما تلقاه في السّدف علّقتها من بنات التّرك قد غنيت * بدمع عاشقها عن منّة الشّنف يلقى المتيّم من تثقيف قامتها * ما لا يلاقيه كوفيّ من الثّقفي « 1 » ومنها : في حفظ سالفها للحسن ترجمة * فاقت وما اتفقت للحافظ السّلفي

--> ( 1 ) الثقفي هو : الحجاج بن يوسف .