خليل الصفدي
245
أعيان العصر وأعوان النصر
ويتحقق سامعه أنه ما عند السمعاني بعدها غبطة ، وأدب ما وصل الحصري « 1 » إلى أنماطه ، ولا صاحب « الذخيرة » إلى التقاطه ، ولا صاحب « القلائد » إلى تيجانه ، وأقراطه ، وشعر راق نسجه ، ولاق نهجه : شخص الأنام إلى جمالك فاستعذ من شر أعينهم بعيب واحد . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في شهر رجب الفرد سنة إحدى وأربعين وسبعمائة . ومولده سنة سبع وتسعين وستمائة . كان أولا قد اشتغل بمذهب أبي حنيفة ثم إنه تمذهب للإمام أحمد بن حنبل ، وأنشدني من لفظه لنفسه غير مرة : ( الرجز ) بك استجار الحنبلي * محمّد بن جنكلي فاغفر له ذنوبه * فأنت ذو التّفضّل وكتب طبقة ، واشتغل في غير ما فن ، ولم يزل مواظبا على سماع الحديث ، واختلط بشيخنا الحافظ فتح الدين بن سيد الناس ، وبه تخرج ، وعنه أخذ معرفة الناس ، وأيامهم ، وطبقاتهم ، وأسماء الرجال . وكان آية في معرفة فقه السلف ، ونقل مذاهبهم ، وأقوال الصحابة ، والتابعين ، وهذا أجود ما عرفه مع مشاركة جيدة في العربية ، والطب ، والموسيقى . وكان في النظم متوسط الطبقة ، وربما تعذر عليه حينا لكن له ذوق في الأدب يفهم لطائف المعاني ، ويدركها ، ويهتز للفظ السهل ، ويطرب لنكت الشعراء المتأخرين كأبي الحسين الجزار ، والوراق ، وابن النقيب ، وابن دانيال ، وابن العفيف ، ومن جرى مجراهم ، ويستحضر من مجون ابن حجاج جملة ، وكان يلعب الشطرنج ، والنرد ، وقل أن رأيت مجموعه في أحد . رأيته غير مرة ، واجتمعت به كثيرا ، وقد شاركته في بعض سماعاته ، وسمع بقراءتي على شيخنا الحافظ أبي الفتح كثيرا ، ورد علي يوما بعض الأسماء صحفته أنا ذهولا مني ، ولما فرغنا أنشدته : ( الطويل ) يردّ علينا ما نقول أميرنا * لئلا يرانا في النّهى دون حدسه ويختار منّا أن نكون كمثله * ويطلب عند النّاس ما عند نفسه فأعجبه هذا التضمين ، وطرب له . وكان فيه بر ، وإيثار لأهل العلم ، والفقراء ، ويخير مجالسة أهل العلم على مجالسة الأمراء ، والأتراك ، وكان كثير الميل إلى من يهواه لا يزال متيما هائما يذوب صبابة ، ويفنى ،
--> ( 1 ) الحصري هو : إبراهيم بن علي الحصري ، المتوفي سنة 453 ه .