خليل الصفدي

236

أعيان العصر وأعوان النصر

العربية ، وأتقنها ، وحرر قواعدها ، ومكنها ، واستطال بالأصول ، وأرهف منها الأسنة ، والنصول ، وقام بالحديث ، وروى ، وأما التفسير فكان يستحضر من بحاره الزخارة كل فائدة مهمة ، ومن كواكبه السيارة كل نير يجلو حنادس الظلمة . وأما الخلاف ، ومذاهب السلف فذاك عشه الذي منه درج ، وغابه الذي ألفه ليثه الخادر ، ودخل ، وخرج . وكان جريء الجنان ثابت الجأش لا يقعقع له بالسنان ، وله إقدام ، وتمكن وأقدام ، وحظه موفور ، وقبوله كل ذنب معه مغفور ، وكان يسلك طريق العلامة تقي الدين بن تيمية في جميع أحواله ، ومقالاته التي تفرد بها ، والوقوف عند نص أقواله . وتوجه إلى الحجاز مرات ، وحاز ما هناك من المبرات . ولم يزل على حاله إلى أن دخل تحت رزة الرزية ، وعدم الناس منه لذة الحلوى السكرية ، وإن كانت نسبته إلى الجوزية . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في الثالث عشر من شهر رجب الفرد سنة إحدى وخمسين وسبعمائة . ومولده سنة إحدى وتسعين وستمائة . وكان محظوظا عند المصريين من الأمراء يعطونه الذهب ، والدراهم ، وهبه الأمير بدر الدين بن البابا مبلغ اثني عشر ألف درهم ، والأمير سيف الدين بشتاك أعطاه في الحجاز مائتي دينار . وكان قد اعتقل مع الشيخ تقي الدين بن تيمية في قلعة دمشق بسبب « مسألة الزيارة » ، ولم يزل إلى أن توفي الشيخ تقي الدين فأفرج عنه في الثالث عشر من ذي الحجة سنة ثمان ، وعشرين ، وسبعمائة . وما جمع أحد من الكتب ما جمع لأن عمره أنفقه في تحصيل ذلك . ولما مات شيخنا فتح الدين اشترى من كتبه أمهات ، وأصولا كبارا جيدة ، وكان عنده من كل شيء في غير ما فن ، ولا مذهب بكل كتاب نسخ عديدة منها ما هو جيد نظيف ، وغالبها من الكرندات . وأقام أولاده شهورا يبيعون منها غير ما اصطفوه لأنفسهم . واجتمعت به غير مرة ، وأخذت من فوائده خصوصا في العربية ، والأصول . وأنشدني من لفظه لنفسه : ( الطويل ) بني أبي بكر كثير ذنوبه * فليس على من نال من عرضه إثم بني أبي بكر جهول بنفسه * جهول بأمر اللّه أنّى له العلم بني أبي بكر غدا متصدّرا * يعلم علما ، وهو ليس له علم