خليل الصفدي
197
أعيان العصر وأعوان النصر
الدين رتب هو مكان والده في عمالة خانقاه الشميساطي . ثم إنه بعد ذلك بمدة رتبه الأمير سيف الدين تنكز في استيفاء ديوانه ، وأضاف إليه عمالة الأشراف ، وفي ديوان الأمير سيف الدين أرغون الدوادار ، وكان مداخلا سئوسا خبيرا بالمساعي ، عارفا بالتوصل ، دربا بالتوسل ، فداخل حمزة التركماني ، وقد انفرد بالأمير سيف تنكز ، وقد احتوى عليه ، وكان يشكره للأمير سيف الدين تنكز ، ويرشحه عنده لكل وظيفة ، ويستكتبه عنه في مكاتبات خاصة ما يرى أن كاتب السر يطلع عليها فيأتي فيها بالمراد فيعجبه ذلك . ولم يزل به إلى أن أحسن له أن يوليه كتابة سر دمشق فكتب فيه إلى السلطان ، وشكره ، وبالغ في أمره فأجابه الملك الناصر محمد إلى ذلك ، وجهز توقيعه بكتابة السر بدمشق في سنة ست ، وثلاثين ، وسبعمائة الثاني من شعبان المكرم « 1 » ، وكان قد باشرها في هذا اليوم قبل وصول توقيعه الشريف ، ووصل التوقيع ، والتشريف من مصر في الحادي عشر من الشهر المذكور . وتولاها عوضا عن القاضي جمال الدين عبد اللّه بن الأثير « 2 » فوليها ، وعملها على القالب الجائر . وخضع الناس له ، وتمكن من قلب الأمير سيف تنكز ، وكان يعجبه شكله ، وكتابته ، وتأنيه . إلى أن لم يكن عنده في دمشق غيره ، وسلم قياده إليه ، وتوجه معه إلى مصر ، وشكره للسلطان ، وبالغ في وصفه فعظمه السلطان ، وألبسه تشريفا بطرحة ، ولم يكن ذلك لغيره ، وحضر بريد من الشام فدخل به القاضي شهاب الدين بن فضل اللّه ليقرأه فطلب السلطان علم الدين هذا ، وقرأه عليه فما حمل القاضي شهاب الدين ذلك ، وجرى له مع السلطان ما جرى ، وقدم الدواة الأمير سيف الدين تنكز لعلم الدين هذا بين يدي السلطان فزادت عظمته عند الناس . ولم يزل كذلك ، وهو في أوج سعده إلى أن تغير عليه في سنة ثمان ، وثلاثين ، وسبعمائة فقبض عليه ، وضربه بالعصي ضربا مبرحا ، واحتاط على موجوده ، واعتقله مدة ثم أفرج عنه ، وأمر أنه لا يخرج من داره ، ولا يجتمع بأحد فسكن عند حمام السلاري ، وكان ليله ونهاره في تربة الكاملية المجاورة للجامع الأموي ، وأقام على ذلك مدة إلى أن أمسك الأمير سيف الدين تنكز . فقال السلطان للأمير بشتاك : إذا وصلت إلى دمشق اطلب العلم بن القطب الذي كان مستوفي تنكز فهو يدلك على جميع ماله . ولما وصل بشتاك إلى دمشق ، ونزل بالقصر الأبلق طلب القاضي علم الدين ، واستعان به على تطلب أموال تنكز ، وتحكم علم الدين في تركة تنكز ، وأخذ منها غالب ما وجده
--> ( 1 ) انظر : البداية والنهاية : 14 / 174 . ( 2 ) جمال الدين عبد اللّه هو : عبد اللّه بن محمد بن إسماعيل ، توفي سنة 778 ه . ( انظر : شذرات الذهب : 6 / 257 ، والدارس : 2 / 125 ) .