خليل الصفدي
198
أعيان العصر وأعوان النصر
فيها من الأصناف التي أخذت منه ، ودخل في الأمير بشتاك ، وخدمه ، ودخل معه إلى مصر فعينه السلطان لاستيفاء الصحبة بالديار المصرية ، وأراد السلطان أن يمكنه ، ويتسلط على الكتاب فأداه عقله إلى مصاحبة جمال الكفاة ، ومن كان في ذلك الزمان ، وداخلهم ، واتحد بهم ، وصافوه . ويئس السلطان منه فتركه ، ولم يزل في استيفاء الصحبة إلى أن توفي السلطان ، ودخل الفخري ، وطشتمر إلى القاهرة فسعى معهما في أن يكون ناظر النظار بدمشق عوضا عن الصاحب علاء الدين بن الحراني فوصل إلى دمشق ، وباشر بها الوزارة ، ولكنه تعب فيها تعبا كثيرا فاستوخم مرعاها ، وطلب النقلة من الأمير طقزتمر إلى نظر الجيوش بدمشق فكتب له فأجيب إلى ذلك ، وحضر توقيعه فباشر ذلك عوضا عن القاضي فخر الدين بن العفيف « 1 » فحمد مسراه عند صباح هذه المباشرة ، ورأى فيها ما رآه غيره ، ودانت له الأيام ، وطال عمره فيها ، وطاب عرفه . وكان كثير الهدية للمصريين ، والخدمة لهم ، وما جاءت دولة إلا وهو فيها عزيز مكرم لا يبالي بمن ناواه ، ولا يعبأ بمن جاراه ، يقهر خصومه ، ولا يدرون سره ، ولا مكتومه ، وباشر هذه الوظائف الثلاث التي هي أكبر مناصب دمشق . ولم يزل على حاله إلى أن مرض بعلة الربو فأقام على ذلك قريبا من خمسين يوما ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في التاريخ المذكور ، وكان يعتريه ، وجع المفاصل في كل سنة فأنهكه ذلك ، وهرم به ، وانحنت قامته ، وضعف . وكنت قد كتبت له توقيعا بعمالة ديوان الأشراف بدمشق في شهر رجب سنة اثنتين ، وثلاثين ، وسبعمائة ، وهو : « رسم بالأمر العالي لا زال يتلقى برفع علمه ، ويكسب المناصب فخرا بمن يوليه لكفاية هممه ، أن يرتب المجلس السامي القضائي علم الدين في كذا ثقة بكفايته التي شهدت بها مخائله ، ودلت عليها حركاته السعيدة ، وشمائله ، وتكفلت حركاته المباركة أن تبلغه من العليا ما يحاوله ، إذ هو الكاتب الذي أضحت نظراؤه في المعدوم معدوده ، والبارع الذي مخزومة فضله لا تبيت إلا وهي بالمحاسن مسدوده ، والماجد الذي خرج سيادته عن سلفه فكانت أبواب النقص فيها مردودة . أقلامه في كفه أنابيب يضمها منه خير عامل ، وأعنة يصرفها في السيادة بأطراف الأنامل . فليباشر ما فوض إليه مباشرة يطلب بها من اللّه رضاه ، ويدخر عمله فيها عنده فيا حبذا ما يعتمده ، ويتوخاه ، ويحمل لواء الشرف لهذا الديوان تولى خدمته ، وتوالاه ، وينفق في الفضل من سعة مجده فقد
--> ( 1 ) فخر الدين هو : محمد بن محمد بن الحسن ، توفي سنة 726 ه . ( انظر : والوافي بالوفيات : 1 / 238 ) .