خليل الصفدي
196
أعيان العصر وأعوان النصر
وتوفي بها في التاسع عشر من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة ، وسبعمائة . 1486 - محمد بن أحمد بن مفضل « 1 » ابن فضل اللّه المصري . القاضي الرئيس علم الدين بن قطب الدين تقدم ذكر والده في الأحمدين . وكان هذا علم الدين أخيرا ناظر الجيوش المنصورة بدمشق ، وكان في نفسه رئيسا ، قضى عمره في نعم عجيبة إلا أنها ما خلت من بؤس يتأنق في المآكل ، والملابس . ويتخرق بالتجمل ، والمجالس ، بنفس يتدفق بحرها ، ويتألق وفرها ، يبالغ في إكرام من يعاشره ، ويهش لوفادته عليه ، ويكاشره . قد اشتهر بالتوسع في الأطعمة ، والمشارب ، والتنقل في النزه ، والمسارب ، قل من رأى في دمشق من يدانيه في سماطه ، أو تنخرط لآلئ حشمته في أسماطه . ( الخفيف ) من تعاطى تشبّها بك أعيا * ه ، ومن دلّ في طريقك ضل وكانت مساعيه دقيقة ، ومجازاته في المناصب الكبار حقيقة ، وثب من الثرى إلى الثريا ، وطوى شقة المشقة طيا ، وتنقل في الوظائف الكبار ، وتوقل هضبات المجد من غير اعتناء ، ولا اعتبار ، كأن له غصن الرياسة يجنى ، ويهتصر ، أو كأن له طريقا إلى العلياء تختصر . ولم يزل في سعاداته ، وما ألفه في اللذات من عاداته ، إلى أن دك علمه ، وفك من التصرفات قلمه . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - بكرة نهار الاثنين الثاني من جمادى الأولى سنة ستين ، وسبعمائة . ودفن في تربة بني هلال بالصالحية . كان هذا القاضي علم الدين من بقايا رؤساء دمشق رأى الناس ، وصحبهم وعاشرهم ، وخالطهم . وكان جميل الصورة ، أنيق الشكل مديد القامة ، حسن البزة ، نظيف اللباس عاطر الرائحة يتجمل في الملابس ، ويتأنق في المآكل ، ويتوسع في المطاعم ، والمشارب ، يمد في كل يوم من الطعام ألوانا ، وينفق على مخالطيه المال مجانا . أول ما علمته من أمره أنه كان في خدمة عمه القاضي محيي الدين كاتب قبجق ، وسيأتي ذكره في مكانه ، وكان يميل إليه ، ويركن إلى تربيته له دون والده قطب الدين ، وكان يتوجه معه إلى قسم النواحي ، وينوبه في ديوان الأمير سيف الدين تنكز . ولما توفي قطب
--> ( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 5 / 972 ، والبداية والنهاية : 14 / 212 ، ووفيات ابن رافع : 1 / 354 ، وذيول العبر : 329 .