خليل الصفدي

136

أعيان العصر وأعوان النصر

وبدمشق ، وخرج هو لنفسه أربعين حديثا من الأحاديث التساعيات العوالي ، وسمعت عليه مع جماعة بمنزله بمصر المجاور للجامع الناصري ، وأجاز لي في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة . وحدث بالكثير ، وتفرد في وقته . كان إمام زمانه ، وصدر أوانه ، وانتهت إليه رئاسة الدين والدنيا ، رقى بسيادته في مراتب العليا ، وجمع له من المناصب ما لم يجمع في وقته لسواه ، وترك كل عدو له ، وحاسد ينطوي على نيران جواه ، اشتغل بالعلم من صغره ، واستمر على ذلك في مدة كبره . وصحب قاضي القضاة تقي الدين بن رزين ، وانتفع به ، وقرأ عليه كثيرا من كتبه ، ولازم طريق الخير ، وصحبة الصالحين ، واتحد بالفقراء العاملين العالمين ، واشتهر بهذه الطريقة ، وعرف بهذا الخير الذي هو نعم الرفيق في كل فريق فترشح بذلك للوظائف الكبار ، والمناصب التي ما على حسنها غبار ، ومع هذا كله لازم طريقة ، واحدة ، وباشر القضاء ، والحكم ، وقد جعل اللّه فضله شاهده ، ورزق السعادة العظمى في كل ما تولاه ، وزانه من محاسنه ما تحلاه ، واتصف بصفات ، وما يقول الناس في البدر إذا محا سواد الدجى ، وجلاه : وجلال لو كان للقمر البدر جاز فيه حكم المحاق ، ثم إنه ضعف بصره ، واستعفى من المباشرة ، وترك الخلطة بالناس ، والمعاشرة ، وانقطع في منزله قريبا من ست سنين يزوره الناس للبركة ، ويقصدونه للتملي بمحاسنه ، والأخذ من فوائده المشتركة . ولم يزل على حاله إلى أن كسف بدره ، وأزلف قبره ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - ليلة الاثنين بعد العشاء الآخرة في الحادي والعشرين من جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة . ومولده ليلة السبت عند مضي الثلث الأول من ليلة الرابع من شهر ربيع الأول سنة تسع وثلاثين وستمائة . وصلي عليه بجامع دمشق صلاة الغائب يوم الجمعة بعد الصلاة في العاشر من جمادى الآخرة من السنة المذكورة . وكان قد درس أولا بدمشق في المدرسة القيمرية مضافا إلى الخطابة في أول دولة لاجين . ثم إنه نقل إلى قضاء القدس مع الخطابة به في شوال سنة سبع ، وثمانين ، وستمائة عوضا عن فخر الدين الزرعي . ثم إنه طلب لقضاء الديار المصرية فتوجه إليها في شهر رمضان سنة تسعين بدل ابن بنت الأعز ، وجمع له بين قضاء البلدين فأحسن السيرة هناك ، وأقام مدة ، وتجمعت له هناك مناصب جليلة . أقام بالقاهرة على حاله إلى أن قتل الأشرف ، وأمسك الصاحب بن السلعوس فصرف ، واستقر ابن جماعة هناك في تدريس ، وكفاية إلى أن توفي قاضي القضاة شهاب