خليل الصفدي
98
أعيان العصر وأعوان النصر
ومد السماط العظيم ، ونزل القاضي كريم الدين ومعه من يختاره ، وجاء إليه ، وجد الدار قد عمّرت على ما أراد ، والطعام قد مد سماطه ، فأكل هو ومن معه ، وأحضر أنواع الفواكه والحلوى والمشروب ، ولما فرغ من ذلك أحضر بقجة كبيرة ، أخرج إليه منها ما يصلح للنساء من القماش الإسكندري وغيره ، وما يصلح لملبوس علاء الدين ، وقال : هذه خمسة آلاف درهم ، يكسو بها مولانا عبيده وجواريه ، على ما يحبه ويراه ، وهذا توقيع تصدّق به مولانا السلطان على مولانا ، فيه زيادة معلوم دراهم وغلة وكسوة لحم وجراية ، ونزل يركب ، ونزل معه علاء الدين ، فلما ركب وفارقه قال : يا مولانا علاء الدين ، واللّه هذه الأشياء أنا أفعلها طباعا ، وأنا لا أرجوك ولا أخافك . وقيل : إنه مرة شرب دواء ، فجمع له كل ما دخل القاهرة ومصر من الورد ، وحمل إلى داره ، وبسط ذلك الورد إلى كراسي الطهارة ، وداس الناس ما داسوه ، وأخذ ما فضل أباعه الغلمان للبيمارستان بمبلغ ثلاثة آلاف درهم . وكان السلطان قد فوّض إليه نظر البيمارستان المنصوري ، فنمت أجور أوقافه ، وعمّرت وعمّر البيمارستان ، وكان كلما دخل فيه تصدّق بعشرة آلاف درهم ، ومات مرة من الزحمة ثلاثة أنفس ، وبالجملة فما سمعت عنه بالديار المصرية ، إلا كل مكرمة غير الأخرى ، يبتدع فعلها ولم نسمعها عن غيره ، وهو الذي صدق أخبار البرامكة ، ومن رئاسته الكاملة أنه كان إذا قال : نعم كانت ، وكان في كل أول ثلاثة الشهور رجب وما بعده من كل سنة يخرج كل من كان في الحبوس من الولاية ومن حبس الشرع ، وما يدع في الحبوس أحدا ، إن كان عليه دين أوفاه ، أو على قضية معضلة أحضر الغريم ، وتوصل إلى رضاه بكل طريق ، وعمّر بالزربية جامعا وميضأة ، وعمّر في طرق الرمل البيارات ، وأصلح الطرق ، وعمّر في دمشق جامع القبيبات وجامع القابون ، ووقف عليهما الوقوف الجيدة . وكان عاقلا وقورا ، داهية جزل الرأي بعيد الغور ، بحب العلماء والفضلاء ، ويبرّهم ويحسن إليهم ، أخبرني الشيخ شهاب الدين العسجدي قال : كنت ليلة عيد مع الشيخ صدر الدين ، ونحن متوجّهان إلى القرافة ، فعرض لنا فقير ، وقال للشيخ : يا سيدي شيء للّه ، فقال لي : كم معك ؟ قلت : لا عليك ، توجّه إلى القاضي كريم الدين ، وقل له : الشيخ يسلّم عليك ويهنئك بالعيد ، فتوجهت إليه ، وقلت له ذلك ، فقال : كأن الشيخ مفلس في هذا العيد ياططاج - مملوكه - ، ادفع إلى رسول الشيخ ألفي درهم قال : فأخذتها وجئت بها إليه ، فقال الشيخ : صدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « الحسنة بعشرة أمثالها » « 1 » .
--> ( 1 ) أخرجه الإمام مسلم : في الذكر 22 ، والنسائي : في الصيام 42 - 82 ، وابن ماجة في الأدب 58 ، -