خليل الصفدي

97

أعيان العصر وأعوان النصر

واشتغل الناس بأمره ، ونسي أمر البابا ، ولما فرغ الناس طلب البابا ، وجهز إلى الوالي ، فقال له رفاقه : ما كان القاضي كريم الدين ما وعدك روح إليه ، فقال : يا قوم ، إنسان قد أمسك وصودر ، أروح إليه ، فراح إليه ، وكان قد أمر بالمقام في القرافة ، فلما دخل إليه شكا حاله ، فقال : يا بني جئت إلي وأنا في هذه الحالة ، ثم إنه رفع المقعد ، وقال له : خذ هذه الدراهم استعن بها - كانت قريب الألفين - فلما أخذها وخرج قال لذلك العبد : ما كنت قد أعطيتك حياصة ذهب لهذا البابا ، فقال : نعم ، وهي معي ، فقال : هاتها فأخذها وطلب البابا ، ودفعها إليه ، وقال : هذه الحياصة أعطهم إياها ، والدراهم أنفقها ، فطلع بالحياصة وأعطا للمملوك ، فدخل بها المملوك للأمير سيف الدين بكتمر الساقي فطلب البابا ، وقال له : قل لي أمر هذه الحياصة ، كيف هو ؟ فحكى له ما جرى له مع كريم الدين ، فقيل لي : إن بكتمر الساقي لطم وجهه ، وقال : يا مسلمين ، مثل هذا يمسك أو يؤذى ، وما إمساك كريم الدين برضى بكتمر . وحكى لي القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل اللّه ، أنه بلغه أن القاضي علاء الدين بن عبد الظاهر والقاضي نجم الدين بن الأثير قعدا يوما على باب القلعة ، وأجري ذكر كريم الدين ومكارمه ، فقال علاء الدين بن عبد الظاهر : ما مكارمه إلا لمن يخالفه ، فهو يصانع بذلك عن نفسه ، فما كان بعد يومين أو ثلاث ، حتى احتاج نجم الدين بن الأثير إلى رصاص يستعمله في قدور حمام ، فكتب ورقة إلى كريم الدين ، يسأل فيها بيع جملة من الرصاص بديوان الخاص ، فحمل إليه جملة كبيرة ، فضل له منها عمّا احتاج إليه ثلاثون قنطارا ، ولم يأخذ عن ذلك ثمنا ، وأما علاء الدين بن عبد الظاهر فإنه تركه يوما في بستانه ، وانحدر إليه في البحر ، فلم يدر به ، إلا وقد أرست حراقته على زربية علاء الدين ، فنزل إليه وتلقّاه ، ودهش لقدومه ، فحلف أنه ما يأكل ما يحضره إليه من خارج البستان ، ومهما كان طعام ذلك النهار يحضره ، فأحضر له ما اتفق حضوره ، وقال له : يا مولانا أنا ما أعلمتك بمجيئي ، ولكن أنا مثل اليوم ضيفك ، ولكن لا ألتقي هذه العمارة على هذه الصورة ، وشرع رتبها على ما أراد ، وخرج من عنده ، فلم يشعر علاء الدين ذلك اليوم ، إلا بالمراكب قد أرست على زربيته بأنواع الأخشاب والطوب وأفلاق النخل والجبس والمهندسين والصناع والفعول ، وكل ما يحتاج إليه ، وأخذوا في هدم ذلك المكان ، وشرعوا في بنائه على ما قال لهم ، فلم يأت على ذلك خمسة أيام أو ستة ، إلا وقد تكامل ورخم ، وزخرف بالذهب واللازورد ، وفرغ منه ، فلما كان قبل الميعاد بيوم ، جاء إليه مركب موسوق بأنواع الغنم والإوز والدجاج الفائق وغيره ، والسكر والأرز وجميع ما يطبخ ، حتى المخافي والماعون الصيني والجبن ، ومن يقليه ، وعمل الطعام الفائق المختلف ،