خليل الصفدي

367

أعيان العصر وأعوان النصر

الرقاع ، وروّض به الطروس فكانت كالزهر النابت في أخصب البقاع ، واشتغل وحصّل ، واجتهد في طلب الأدب وأصّل . وكان والده يجتهد عليه ، ويود لو ساق الفضائل بأزمتها إليه ، وكان في ذهنه وقفة تقصر به عن اللحاق ، وتجعل بدر فضله مخصوصا بالمحاق ، إلا أنه حفظ الحاجبية والمعلقات بعد القرى العظيم ، وأحرز غير ذلك في عقده النظيم . ولم يزل على حاله ، إلى أن أذوى الموت زهرته الغضة ، وجعل الدموع من الحزن عليه مرفضة ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - . . . . من شعبان سنة ثلاث وخمسين وسبع مائة . كان قد مرض مرضة طوّل فيها ، وأقام قريبا من سنة ، ثم إنه حصل له استقاء ولوالده - رحمهما اللّه تعالى - ، ومات والده قبله بشهر وأفاق هو ، ثم إنه نقض الاستسقاء عليه ومات . وكان بعد إمساك تنكز قد منع من مباشرة كتابة الإنشاء بدمشق ، ولما جلس الفخري في رسم بالأمر العالي ، لا زال وليّه عليا وحفيّه بكل خير مليا ، وصفيّه ، تقر به السيادة من الدول نجيا ، أن يعاد المجلس السامي القضائي العلائي إلى كتابة الإنشاء الشريف بدمشق المحروسة ؛ لأنه من قوم كل منهم كريم ، وكاتب ورئيس إذا ابتدع في المعالي طريقة ، لم يكن له فيها تابع ولا عاتب ومدبر ، لم يرتب الزمان أن ذكر مجدهم المؤثل فيه راتب ، نشأت أصولهم في رياض بلاغة ووزارة ، وسارت محامدهم في الآفاق فأخجلت الكواكب السيّارة ، وجرت بسعودهم التي ورثوها من جدودهم الإفك المدارة ، وسكن الزمان بجبال حلومهم الراسخة بعد الطيش ، واستغنى الملوك بكتبهم عن تجهيز الكتائب إلى كل جيش ، وطابت أنفاس السحر برياهم ؛ لأن بني مخزوم ريحانة قريش ، وضربت أعراقهم حتى اتصلت بخالد بن الوليد « 1 » ، ونظر الناس منهم كل كفو غناه كالذهب عتيد ، وباسه كالحديد شديد ، وتجمل الدهر منهم بمدبر ، كان موفقا في خدمة نور الدين الشهيد ، طالما جالسوا الملوك على أسرّتهم ، وجاودوا الغيوث فعموا الأنام بمبرّتهم ، ونادموا النجوم فعاطوهم كئوس مسرّتهم ، كما أغاث قلمهم ملهوفا ، وكان بمعرته جارما ، وكم حلب في حلب وغيرها رزقا ، وفي غيرها وما كان حارما .

--> ( 1 ) خالد بن الوليد هو : ابن المغيرة المخزومي . سيف اللّه الصحابي . كان من أشراف قريش في الجاهلية . أسلم قبل فتح مكة ومعه عمر ابن العاص سنة 7 ه فسر به الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وولاه الخيل ، ولما ولي أبو بكر وجهه لقتال مسيلمة الكذاب ثم سيره إلى العراق سنة 12 ه ، ففتح الحيرة وما حولها ، عزله وولى أبا عبيدة بن الجراح رضي اللّه عنه ، توفي في سنة 21 ه . ( انظر : الإصابة 1 / 413 ، وتهذيب ابن عساكر : 5 / 92 - 114 ، وصفة الصفوة : 1 / 268 ) .