خليل الصفدي

368

أعيان العصر وأعوان النصر

فليباشر ذلك مقتديا بما لأبيه - أدام اللّه تعالى نعمته - في هذه الوظيفة من الآثار الحميدة ، والمناقب التي أخذت أياديها على المحامد عهودا أكيدة ، والآثار التي لا يطاول الزمان قصورها المشيّدة ، والفضائل التي هي في الديوان بيت القصيدة ، حتى تجمّلت به الدنيا ، وأقسم الفضلاء أن القاضي الفاضل لم يقض نحبا ، وأنه يحيا مهتديا بسمت عمّه - خلّد اللّه سعوده - فإنه لهذه الدنيا شرف ، ولهذه الأيام من أقلامه غاب لا يدخلها ليث خطب إلا انهزم وانصرف ، ولهذه الأيام من تواقيعه جنات فيها حور الأرزاق ، تأوي إلى غرف وليدبج بأقلامه المهارق ، التي تمطرها البلاغة ، وتعلّم الناس بمعانيها كيف يكون السحر ، وبألفاظها صناعة الصياغة ، والوصايا عنهم يؤخذ بيانها ، ومنهم يشير إلى الهدى بنانها ، فما ينبّه عليها ، ولا يدل على الطريق الآخذة إليها ، وتقوى اللّه هي العمدة ، والذخر العتيد عند الشدة ، فلا ينسى فيها نصيبة ، ولا يقدم غيرها في المهمات كتيبة ، والخط الكريم أعلاه حجة في العمل بمقتضاه - إن شاء اللّه تعالى - . وكتب إليه - رحمه اللّه تعالى - ، وقد عرض عليّ من حفظه المعلقات السبع ، وملحة الإعراب للحريري « 1 » : أما بعد حمد اللّه تعالى حق حمده ، وصلاته على سيدنا محمد نبيّه وعبده وسلامه ، فقد عرض عليّ الجناب الكريم العلائي ابن المقر الشريف الشهابي بن القيسراني : ( السريع ) مولى إذا أعمل أقلامه * لم يبق في الجود لغيث حصص فالبرق من حرقته يلتظي * والرّعد في السّحب كثير القصص لذا أولو الحاجات في بابه * تطرب إن وقع فوق القصص جميع المعلقات السبع من أولها إلى آخرها ، وملحة الإعراب للشيخ أبي محمد القاسم بن الحريري « 2 » - رحمه اللّه تعالى - في مجلس واحد عرضا عن ظهر قلب ، وهذا يتعدى إلى اللب بهمزة السلب ، كالسيل إذا تحدّر على الحقيقة من علي ، والجود إذا أتى من كريم ملين ، والحق إذا توضّح من جليل جلي : ( السريع ) فما رآه ناظري عارضا * لكنّه صاحب ديوان

--> ( 1 ) الحريري هو : عبد اللّه بن قاسم بن عبد اللّه اللخمي أبو محمد ، فاضل ، عارف بالتاريخ والأنساب ، أندلسي من أهل إشبيلية ، كان يعرف بالحرار وحولها إلى الحريري ، له العديد من المصنفات منها « الدرر والفرائد » و « حديقة الأنوار » و « المنهج الرضي » . ولد بجزيرة شقر سنة 591 ه ، وتوفي في سنة 646 ه . ( انظر : التكملة : 519 ) . ( 2 ) الحريري هو : أبو محمد القاسم بن علي بن محمد ، المتوفى في سنة 516 ه .