خليل الصفدي
268
أعيان العصر وأعوان النصر
هذا إلى إتقان فنون يطول سردها ، ويشهد الامتحان أنه في المجموع فردها ، واطلاع على معارف أخر ، وفوائد متى تكلم فيها قتل بحر زخر ، وإذا مشى الناس في رقراق علم كان هو خائض اللجة ، وإذا خبط الأنام عشواء سار هو في بياض المحجة . وأما الأخلاق : فقلّ أن رأيتها في غيره مجموعة ، أو وجد في أكياس الناس دينار على سكتها المطبوعة ، فم بسّام ، ووجه بين الجمال والجلال قسام ، وخلق كأنه نفس السحر على الزهر نسام ، وكف تخجل الغيوث من ساجمها ، وتشهد البرامكة أن نفس حاتم في نقش خاتمها ، وحلم لا يستقيم معه الأحنف ، ولا يرى المأمون معه إلا خائنا عند من روى أو صنف ، ولا يوجد له فيه نظير ، ولا في غرائب أبي محنف ، ولا يحمل حلمه بل فإنه جاء بالكيل المكنف . لم أره انتقم لنفسه مع القدرة ، ولا شمت بعدو هزم بعد النصرة ، بل يعفو ويصفح عمّن أجرم ، ويتألم لمن أوقد الدهر نار حربه وأضرم ، ورعاية ود لصاحبه الذي قدم عهده ، وتذكر لمحاسنه التي كاد يمحوها بعده طهارة لسان ، لم يسمع منه في غيبة بنت شفة ، ولا تسف طيور الملائكة منه على سفه ، وزهد في الدنيا ، وأقلامه تتصرف في الأقوال ، وتفضها على مر الأيام والجمع والأشهر والأحوال ، واطراح للملبس والمأكل ، وعزوف عن كل لذة ، إعراض عن أغراض هذه الدنيا التي خلق اللّه النفوس إليها مغذه . وهذا ما رآه عياني ، وختم عليه جناني ، وأما ما وصف لي من قيام الدجى ، والوقوف في موقف الخوف والرجا ، فأمر أجزم بصدقه ، وأشهد بحقه ، فإن هذا الظاهر لا يكون له باطن غير هذا ، ولا يرى غيره حتى المعاد معاذا : ( الكامل ) حمل الزّمان حساب كلّ فضيلة * بجماعة كانت لتلك محرّكه فرآهم متفرقين على المدى * في كلّ فنّ ، واحدا قد أدركه فأتى به من بعدهم فأتى بما * جاءوا به جمعا فكان الفذلكه وتصانيفه تشهد لي بما ادّعيت ، وتؤيد به ورويت ، فدونك وإياها ، وترشف كئوس حمياها ، وتناول نجومها إن وصلت إلى ثرياها . ولما توفي قاضي القضاة جلال الدين القزويني بدمشق في سنة تسع وثلاثين وسبعمائة ، طلبه السلطان الأعظم الملك الناصر محمد ، وطلب الشيخ شمس الدين بن عدلان بحضور قاضي القضاة عزّ الدين بن جماعة ، وقال له : يا شيخ تقي الدين ، قد ولّيتك قضاء الشام ، وألبسه تشريفا عظيما ، وخرج صحبة الأمير سيف الدين تنكز - رحمه اللّه تعالى - . وكنت أنا في خدمته طول الطريق ، فالتقطت الفوائد ، وجمعت الفرائد التي ظل في