خليل الصفدي

269

أعيان العصر وأعوان النصر

طلبها ألف رائد ، وسهّلت بسؤاله ما كان عندي من الغوامض الشدائد ، ووددت أن النوى لم تلق لها عصا ، وأن اليعملات في كل هاجرة تنفي يداها الحصي ( البسيط ) يودّ أنّ ظلام اللّيل دام له * وزيّد فيه سواد القلب والبصر ودخل دمشق ، فقلّ في روض حياه الغمام ، ومادت غصونه بالطرب لما غنى عليها الحمام ، أحيا اللّه به معالم علومها ، وأطلع في آفاقها للهدى نيرات نجومها ، وباشر قضاءها بصلف زاد ، وسلوك ما حال عن جادة الحق ولا حاد ، منزّه النفس عن الحطام ، منقادا إلى الزهد الصادق بخطام ، مقبلا على شأنه في العلم والعمل ، منصرفا إلى تحصيل السعادة الأبدية فما له في غيرها أمل ، ناهيك به من قاضي حكمه في هذه الإقليم متصرف الأوامر ، وحديثه في العفة عن الأموال علالة المسامر ، ليس في بابه من يقول لخصم هات ، ولا من يجمجم الحق أو يموه بالترهات . ومات الأمير سيف الدين تنكز ، وهو يعظّمه ، ويختار أكبر الجواهر للثناء عليه وينظمه : ( الطويل ) وعاجوا فأثنوا بالّذي أنت أهله * ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب ولم يزل على حاله إلى أن حصل له من المرض ما حصل ، وتماثل من سقمه ونصل ، ونزل عن منصبه لولده قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب ، فتلقّت الدولة ذلك منه بالترحاب ، وقالوا سمعا لما قاله ، وكرامة وأهلا بهذا النهر الذي غادرته تلك الغمامة . ولما استقر الأمر لولده وثبت ، ورأى غصنه الذي تفرغ عن أصله ونبت ، توجّه إلى الديار المصرية ؛ شوقا لأرض أول ما مس جلده ترابها ، وأول ما ضمه جناتها ، واتسع له جنابها ، فقال النيل : مرحبا بغمام الشام ، وقالت نجومها : أهلا بهذا القمر التام ، فأقام بها ريثما بل صداه ، ورد برؤية ربوعها رداه ، ونقله اللّه إلى حضرة قدسه ، ومواطن رحمته وأنسه ، فلبّى المنادي ، وخلا من نداه النادي ، وقام الناعي فأسمع ، وأوجد القلوب حزنها فأوجع . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في ليلة الاثنين الثالث من جمادى الآخرة سنة ست وخمسين وسبعمائة . ومولده أول يوم من صفر سنة ثلاث وثمانين وستمائة . وتفقّه في صغره على والده - رحمه اللّه تعالى - ، ثم على جماعة آخرهم فقيه العصر نجم الدين بن الرفعة ، ورأيته - رحمه اللّه - يثني عليه ثناء كثيرا ، ويعظّمه تعظيما زائدا .