خليل الصفدي
256
أعيان العصر وأعوان النصر
فالألفات غصونه ، والهمزات عليها طيوره ، ويخلع على الآفاق حلل الأيام والليالي ، فالطرس صباحه ، والنقس ديجوره ، لفظه يطرب ، ومعناه يعرب فيغرب ، وبلاغته تدل على أنه آية ؛ لأن شمس بيانها طلعت من المغرب . فاتخذنا سطوره ريحانا ، ورجعنا ألفاظه ألحانا ، ورجعنا إلى الجد فشبهنا ألفاته بظلال الرماح ، وورقه بصقال الصفاح ، وحروفه المعرقة بأفواه الجراح ، وسطوره المنتظمة بالفرسان المزدحمة في يوم الكفاح ، وانتهينا إلى ما أودعتموه من اللفظ المسجوع ، والمعنى الذي يطرب طائره المسموع ، والبلاغة التي فضح المتطبع فيها بيانها المطبوع . فأما العزاء بأخيكم الوالد - قدّس اللّه روحه - ، وسقى عهده ، وأحسن لسلفه خلفنا بعده - فلنا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أسوة حسنة ، ولولا الوثوق بأنه في عدة الشهداء ما رأى القلب قراره ، ولا رأى الطرف وسنه . عاش سعيدا يملك الأرض ، ومات شهيدا يفوز بالجنة يوم العرض ، قد خلّد اللّه ذكره ، يسير مسير الشمس في الآفاق ، ويوقف على نضارة حدائقه نظرات الأحداق ، وورثنا منه حسن الإخاء لكم ، والوفاء بعهود مودة تشبه في اللطف شمائلكم . وأما لهناء بوارثة ملكه ، والانخراط مع الملوك في سلكه ، فقد شكرنا لكم منحنا هذه المنحة ، وقابلناها بثناء يعطر النسيم في كل نفحة ، ووقفنا عليها حمدا جعل الود علينا إيراده ، وعلى أنفاس سرحة الروض شرحه ، وتحققنا به حسن ودّكم الجميل ، وكريم إخائكم الذي لا يميد طود رسوخه ولا يميل . وأما ما ذكرتموه من أمر المصحفين الشريفين ، اللذين وفقتموهما على الحرمين الشريفين ، وأنكم جهزتم كاتبكم الفقيه الأجل الأسنى الأسمى أبا المجد ، ابن كاتبكم أبي عبد اللّه بن أبي مدين - أعزّه اللّه تعالى - ؛ لتفقّد أحوالهما ، والنظر في أوقافهما ، فقد وصل المذكور بمن معه في حرز السلامة ، وأكرمنا نزلهم ، وسهلنا بالترحيب سبيلهم ، وجمعنا على بذل الإحسان إليهم شملهم ، وحضر المذكور بين أيدينا وقرّبناه ، وسمعنا كلامه وخاطبناه ، وأمرنا في أمر المصحفين الشريفين بما أشرتم ، ورسمنا لنوابنا في نواحي أوقافهما بما ذكرتم ، وهذا الوقف المبرور جار على أحسن عادة ألفها ، وأثبت قاعدة عرفها ، مرعي الجوانب ، محمي المنازل والمضارب ، آمن من إزالة رسمه ، أو إدالة حكمه بدره أبدا في مطالع تمه ، وزهرة دائما يرقص في كمه لا يزداد إلا تخليدا ، ولا إطلاق ثبوته إلى تقييدا ، ولا عنق اجتهاده إلا تقليدا ، جريا على عادة أوقاف ممالكنا ، وقاعدة تصرفنا في مسالكنا ، وله زيادة الرعاية ، وإفادة الحماية ووفادة العناية . وأما ما وصفتموه من أمر الجزيرة الخضراء ، وما لاقاه أهلها ، ومني به من الكفار