خليل الصفدي

257

أعيان العصر وأعوان النصر

حزنها وسهلها ، فإنه شقّ علينا سماعه الذي أنكى أهل الإيمان ، وعدد به ذنوب الزمان كل قلب بأنامل الخفقان ، وطالما فزتم بالظفر ، ورزقتم النصر على عدوكم ، فجر ذيل الهمزية وفرّ ، ولكن الحروب سجال ، وكل زمان لدائه دولة ولرجائه رجال ، ولو أمكنت المساعدة لطارت بنا إليكم عقبان الجياد المسوّمة ، وسالت على عدوكم أباطحهم بقسينا المعوجة وسهامنا المقوّمة ، وكحلنا عيون النجوم بمراود الرماح ، وجعلنا ليل العجاج ممزقا ببروق الصفاح ، واتخذنا رؤوسهم لصوالج القوائم كرات ، وفرجنا مضائق الحرب بتوالي الكرات ، وعطفنا عليهم الأعنة ، وخضنا جداول السيوف ، ودسنا شوك الأسنّة ، وفلقنا الصخرات بالصرخات ، وأسلنا العربات بالرعبات ، ولكن أين الغاية من هذا المدى المتطاول ، وأين الثريا من يد المتناول ، وما لنا غير إمدادكم بجيوش الدعاء الذي نرفعه نحن له ورعايانا ، والتوجه الصادق الذي تعرفه ملائكة القبول في سجايانا . وأما ما فقدتموه من الأجفان التي طرقها طيف التلاف ، وأم حرم فنائها الفناء وطاف به بعد الإلطاف ، فقد روّع هذا الخبر قلب الإسلام ، ونوّع له الحزن على اختلاف الإصباح والإظلام ، وهذه الدار ما يخلو صفوها من كدر القدر ، وطالما أنامت بالأمن أول الليل ، وخاطبت بالخطب في السحر ، ولكن في بقائكم من خطب العطب ، ومع سلامة نفسكم الكريمة فالأمر هيّن ؛ لأن الدر يفدى بالذهب ، وأما ما رأيتموه من الصلح فرأي عقده مبارك ، وعقده ما فيه فارط عزم ، وإن كان فيتدارك . والأمر يجيء كما يجب لا كما يحب ، والحروب يزور نصرها تارة ويغب ، ومع اليوم غدا ، وقد يرد اللّه الردى ، ويعيد الظفر بالعدا . وأما عودكم إلى فاس المحروسة ؛ طلبا لإراحة ما عندكم من الجنود ، وتجهيزا لمن يصل من عندكم إلى الحجاز الشريف من الوفود ، فهذا أمر ضروري التدبير ، سروري التثمير ؛ لأن النفوس تمل وثير الجهاد ، فكيف ملازمة صهوات الجياد ، وتسأم من مجالسة الشرب ، فكيف بممارسة الحرب ، وتعرض عن دوام اللذة ، فكيف بمباشرة المنايا المغدة ، وهذا جبل طارق الذي فتح اللّه به عليكم ، وساق هدى هديته إليكم ، لعله يكون سببا إلى ارتجاع ما شرد ، وحسما لهذا الطاغية الذي مرد ، وردا لهذا النازل الذي قدم ، ورد الصبر لما ورد ، فعادة الألطاف الإلهية بكم معروفة ، وعزماتكم إلى جهات الجهاد مصروفة ، وقد تفاءلنا لكم من هذا الجبل بأنه طارق ، خير من الرحمن يطرق ، وجيل يعصم من سهم يمر من قسي الكفار ويمرق . وأما ما منحتموه من الخيل العتاق ، والملابس التي تطلع بدور الوجوه من مشارق الأطواق ، والأموال التي زكت عند اللّه تعالى ، ونمت على الإنفاق فعلى اللّه عزّ وجل