خليل الصفدي
253
أعيان العصر وأعوان النصر
في إعانة هذا الوافد بهذا الكتاب ، على ما يتوخاه في ذلك الشأن من طرق الصواب ، وثناؤنا عليكم الثناء الذي يفاوح زهر الربا ، ويطارح نغم حمام الأيك مطربا . وبحسب المصافاة ومقتضى الموالاة ، نشرح لكم المتزيدات بهذه الجهات ، وننبئكم بموجب إبطاء إنفاذ هذا الخطاب على ذلك الجناب ، وذلك أنه لما وصلنا من الأندلس الصريخ ، ونادى الجهاد منا عزما لمثل ندائه نصيخ ، أنبأنا أن الكفار قد جمعوا أحزابهم من كل صوب ، وحتم عليهم بابهم اللعين التناصر من كل أوب ، وأن تقصد طوائفهم البلاد الأندلسية بإيجافها ، وتنقص بالمنازلية أرضها من أطرافها ؛ لتمحو كلمة الإسلام منها ، وتقلص ظل الإيمان عنها ، فقدمن من يشتغل بالأساطيل من القوّاد ، وسرنا على أثرهم إلى سبتة منتهى المغرب الأقصى وباب الجهاد . فما وصلناها إلا وقد أخذ أخذه العدو الكفور ، وسد اختطاف الطواغيت على التعاون مجاز العبور ، وأتوا من أجفالهم بما لا يحصى عددا ، وأرصدوها بمجمع البحر حيث المجاز إلى دفع العدا ، وتقلّصوا عن الانبساط في البلاد ، واجتمعوا إلى جزيرة الخضراء - أعاذها اللّه - بكل من جمعوه من الأعاد ، لكنا مع انسداد تلك السبيل ، وعدم أمور نستعين بها في ذلكم العمل الجميل ، حاولنا إمداد تلكم البلاد بحسب الجهد ، وأصرخناهم بمن أمكننا من الجند ، وجهزنا أجفانا مختلسين فرصة الإجازة ، وتترد على خطر من جهز الجهاد جهازه ، وأمرنا لصاحب الأندلس من المال بما يجهز به حركته لمداناة حزب الضلال ، وأجرينا له ولجيشه العطاء الجزل مشاهرة ، وأرضخنا لهم في النوال ، ما نرجو به ثواب الآخرة ، وجعلت أجفاننا تتردد من يمشي السواحل ، ويلج أبواب الخوف العاجل ؛ لإحراز الأمن الآجل مشحونة بالعدد الموفورة والأبطال المشهورة ، والخيل المسوّمة والأقوات المقوّمة ، فمن ناج حارب دونه الأجل ، وشهيد مضى لما عند اللّه - عزّ وجل - ، وما زالت الأجفان تتردد على ذلك الخطر ، حتى تلف منها سبع وستون قطعة غزوية ، أجرها عند اللّه يدخر ، ثم لم نقنع بهذا العمل والإمداد ، فبعثنا أحد أولادنا أسعدهم مساهمة لأهل تلك البلاد ، فلقي من هول البحر وارتجاجه ، وإلحاح العدو ولجاجه ، ما به الأمثال تضرب ، وبمثله يتحدث ويستغرب ، ولما خلص لتلك العدوة بمن أبقته الشدائد ، نزل بإزاء الكافر الجاحد ، حتى كان منه بفرسخين أو أدنى ، وقد ضرب بطعن يصابح العدو ، ويماسيه بحرب بها يمنى ، وقد كان من مددنا بالجزيرة جيش شريت شرارته ، وقويت في الحرب إدارته ، يبلون البلاء الأصدق ، ولا يبالون بالعدو ، وهو منه كالشامة البيضاء في البعير الأورق ، إلا أن المطاولة بحصرها في البحر مدة ثلاثة أعوام ونصف ، ومنازلتها في البر نحو عامين معقودا عليها الصف بالصف ، أدى إلى فناء الأقوات بالبلد ، حتى لم يبق لأهله قوت نصف