خليل الصفدي
254
أعيان العصر وأعوان النصر
شهر مع انقطاع المدد ، وبه من الخلق ما يربي على عشرة آلاف دون الحرم والولد . فكتب إلينا سلطان الأندلس ، يرغب في الإذن له في عقد الصلح ، ووقع الاتفاق على أنه لاستخلاص المسلمين من وجوه النجح . فأذنا فيه الإذن العام ، إذ في إصراخه وإصراخ من في طره من المسلمين توخّينا ذل المرام ، هنالك دعا النصارى إلى السلم ، فاستجابوا لداعيه ، وقد كانوا علموا فناء القوت ، وما استرابوا الصلح إلى عشر سنين ، وخرج من بها من فرسان ورجال ، وأهل وبنين ، ولم يرزءوا مالا ولا عدة ، ولا لقوا في خروجهم غير النزوع عن أول أرض مس الجلدة ترابها شدة ، ووصلوا إلينا فأجزلنا لهم العطاء ، وأسليناهم عما جرى بالحباء ، فمن خيل تزيد على الألف عتاقها ، وخلع تربو على عشرة آلاف أطواقها ، وأموال عمت الغني والفقير ، ورعاية شملت الجميع بالعيش النضير ، وكفى باللّه ضر الطواغيت عما عداها ، وما انقلبوا بغير مدرة عفا رسمها وصم صداها . وقد كان من لطف اللّه حين قضى بأخذ هذا الثغر ، أن قدم لنا فتح جبل طارق من أيدي الكفر ، وهو المطل على هذه المدرة ، والفرصة منه فيها - إن شاء اللّه - ميسّرة ، حين يفترق عقد الكفار ، ويفرد بهذه الجهة منه مجاوروا هذه الدار ، فلولا إجلابهم من كل جانب ، وكونهم سدوا مسلك العبور بما لجميعهم من الأجفان والمراكب ، لما بالينا بأضعافهم ، ولحللنا بعون اللّه عقد اتفاقهم ، ولكن للموانع أحكام ، ولا راد لما جرت به الأقلام ، وقد أمرنا لذلك الثغر بمزيد المدد ، وتخيرنا له ولسائر تلك البلاد من العدد والعدد ، وعدنا لحضرتنا فاس ؛ لتستريح الجيوش من وعثاء السفر ، وتربط الجياد تنتخب العدد لوقت الظهور المنتظر ، وتكون على أهبّة الجهاد ، وعلى مرقب الفرصة عند تمكنها في الأعاد ، وعند عودنا من تلك المحاولة ، نسير الركب الحجاز موجها إلى هنالكم رواحله ، فأصدرنا إليكم هذا الخطاب إصدار الود الخالص والحب اللباب ، وعندنا لكم ما عند أحنى الآباء ، واعتقادنا فيكم في ذات اللّه لا يخشى جديده من البلاء ، وما لكم من غرض بهذه الأنحاء ، فموفى قصده على أكمل الأهواء موالي تتميمه على أجمل الآراء ، والبلاد باتحاد الود متحدة ، والقلوب والأيدي على ما فيه من مرضاة اللّه تعالى معتضدة ، جعل اللّه ذلكم خالصا لرب العباد ، مذخورا ليوم التناد مسطورا في الأعمال الصالحة يوم المعاد ، بمنّه وفضله ، وهو سبحانه يصل إليكم سعدا تتفاخر به سعود الكواكب ، وتتضفر على الانقياد له صدور المواكب ، وتتقاصر عن نيل مجده متطاولات المناكب ، والسلام الأتم يخصكم كثيرا أثيرا ، ورحمة اللّه وبركاته . وكتب في يوم الخميس السادس والعشرين لشهر صفر المبارك من عام خمسة وأربعين