خليل الصفدي
249
أعيان العصر وأعوان النصر
حتى أدبرت شجاعته وأقبل جبنه ، وهذه قاعدة الأيام التي قل ما انخرمت ، وطالما أصبحت جمراتها رمادا بعد ما اضطرمت . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في سنة خمس وخمسين وسبعمائة . وكان هذا السلطان أبو الحسن قد صادق سلطاننا الأعظم الملك الناصر محمد ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون وهاداه ، وراسله ، وجهز إليه التحف والطرف ، وجهّز إليه مرة في سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة خمسين فرسا بسروجها ، وعددها المغربية صحبة الجهة التي حضرت للحجاز ، وتدعى الحرة ، وحضر معها شيء كثير من التحف النفائس . قيل : إنها أحضرت معها صورة كرمة ، تحمل على رؤوس النساء عناقيدها الجواهر النفيسة ، وأحضرت من الثياب البيض الرفاع جملة وافرة ، وكانت هذه السروج على كل ركاب منها طلاء ذهب ستة سبعة دنانير ، وأمر السلطان لها بجميع ما دعت حاجتها إليه ، من آلات الحج وزاده ، وماعون مائة لها ولمن حضر معها ، وكان معها - فيما أظن - خمسمائة نفر ، ولما عادت أرسل السلطان معها من تحف مصر ، وقماش إسكندرية ، وقماش العراق شيئا كثيرا . وكان قد جهّز إلى مكة - شرّفها اللّه تعالى - ختمة بخط يده ، وقر بعير مذهبة مليحة في بابها ، وإلى القدس الشريف ختمة أخرى نظيرها صحبة ابن فرقاجة ، وجهز معه مبلغا اشترى به ملكا ، ووقفه على من يقوم بقراءة القرآن هنا وهنا . وكانت المكاتبات ما تنقطع بينهما كل قليل ، وورد منه كتاب على السلطان الملك الصالح إسماعيل في أواخر شعبان سنة خمس وأربعين وسبعمائة على يد كاتبه ابن أبي مدين ، يعزّي السلطان فيه بأبيه ، ويهنئه بالجلوس على تخت الملك ، ويذكر واقعة جرت له ، ويطلب الدعاء ، ويستنجد به على الأعداء ، ونسخته : بعد الحمد للّه والصلاة : من عبد اللّه علي أمير المسلمين المجاهدين في سبيل رب العالمين ، المنصور بفضل اللّه ، المتوكّل عليه ، المعتمد به جزيع أموره ما لديه سلطان البرين ، حامي العدوتين مؤثر المرابطة والمثاغرة ، ومؤازر حرب الإسلام ، مظاهر دين الملك العلام ابن مولانا أمير المسلمين المجاهدين في سبيل رب العالمين فخر السلاطين حامي حوزة الدين ، ملك البرّين ، إمام العدوتين ، ممهد البلاد ، مبدد شمل الأعاد ، مجند الجنود ، المنصور الرايات والبنود ، محط الرحال ، مبلغ الآمال ، أبي سعيد بن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين ، حسنة الأيام ، حسام الإسلام ، أبي الأملاك ، شجى أهل العناد والإشراك ، مانع البلاد ، رافع علم الجهاد ، مدوخ أقطار الكفار ، مصرخ من ناداه للاستنصار ، القائم للّه بإعلاء دين الحق أبي يوسف