خليل الصفدي
248
أعيان العصر وأعوان النصر
من حرف الطاء . كان هذا علي ذا صورة جميلة ، وطلعة كم جعلت القلوب من حسنها دمنة والعيون كليلة ، أرشق من الغصن إذا عطفته النسمات ، وأعدل من الرمح إلا أن هذا ألطف حركات ، كم فتن قلبا ، وجعل من الصب دمعه صبا . بينما هو بدر في ليالي كماله إذا به قد انخسف ، وبينما هو غصن يميس في اعتداله إذا هو قد انقصف ، وأنشد الناس قبره : ( البسيط ) ما أنت يا قبر لا روض ، ولا فلك * من أين جمع فيك الغصن والقمر وتوفي - رحمه اللّه تعالى - بكرة الثلاثاء رابع عشر شهر ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة ، ومات عن اثنتين وعشرين سنة ، وصلّى عليه بسوق الخيل ، وحضره الأمير سيف الدين والأمراء . وكانت جنازته حافلة ، وكان قد حج مرتين ، وأثنى الناس عليه ، وتألّموا له ولوالده . 1175 - علي بن عثمان « 1 » ابن يعقوب بن عبد الحق السلطان أبو الحسن بن أبي سعيد بن أبي يوسف المريني صاحب مراكش وفاس وغيرهما ، المريني ، تقدم ذكر والده في مكانه . ملك أبو الحسن هذا - رحمه اللّه تعالى - بعد موت والده سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة ، وكان سلطانا فاضلا ، مناظرا للفقهاء ولأرباب السلاح مناضلا . قام بالجهاد مدة ملكه ، ونظم كثيرا من البلاد في سلكه ، امتشق الصوارم ، واعتقل الأسل ، واشتار العسل من غزواته وما اختار الكسل ، وباشر القتال بنفسه ، وأقام وجهه للنبل مقام ترسه ، ووجد ضرب المواضي أحلى من الضرب ، وجاد بروحه للخطوب حتى كأنما له في قتله أرب ، يكر على الأبطال والسيف مصلت بكفه ، ويقدم على الصفوف باجتهاد كأنه يخاف أن يطعن من خلفه ، فما حمل على جيش إلا أباده ، وأبان للملائكة كره وفره وطراده ، وأجال في حومات الوغي جياده ، وارتجل المنايا للأعادي وباده ، وعلى صرح الإسلام وشاده ، وأصلح فساد الدهر وأهله فساده ، هذا مع فضائل بحرها زخار ، وعلوم نيرها سيار . ولم يزل في جهاد مع الفرنج وحروب - نصره اللّه فيها - ، وقد ظن أنه لم ينج ، إلى أن أدبر سعده ، وأخلفه الزمان وعده ، وطالما صدق وعده ، وخانه حتى ابنه ، وساعده عليه
--> ( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 4 / 180 ، وبدائع الزهور : 1 / 586 ، وتذكرة النبيه : 2 / 149 ، والذيل التام : 122 ، والنجوم الزاهرة : 10 / 251 ، والسلوك : 2 / 858 .