خليل الصفدي

231

أعيان العصر وأعوان النصر

وسط ، لا هو الذي ارتفع ، ولا هو الذي سقط . كان من محاسن دمشق التي يفخر بها الزمان ، وغرائبها التي قلدت جيد الدهر قلائد الجمان ، وقلّ أن اتفق مجموعه في عصر لغيره من أهل مذهبه ، أو قارب مداه من يجاري إلى غاية مطلبه . وخطب بالجامع التنكزي قبل بالدموع الأردان ، وعلا المنبر فما ذكر معه سجع الحمائم على البان ، ولم يزل على حاله ، إلى أن أصاب الموت قحف القحفازي ، واختطف روحه من المنية بازي . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - سنة خمس وأربعين وسبعمائة . ونقلت مولده من خطه في الثالث عشر من جمادى الأولى سنة ثمان وستين وستمائة . حكى لي نور الدين علي بن إسماعيل الصفدي ، وقد تقدم ذكره ، قال : أنشد الشيخ نجم الدين يوما لغزا للجماعة ، وهم بين يديه في الحلقة ، يشتغلون عليه : ( الرجز ) يا أيّها الحبر الّذي * علم العروض به امتزج ابن لنا دائرة * فيها بسيط ، وهزج فقال واحد منهم : هذه الساقية ، فقال له الشيخ : دورت فيها زمانا حتى ظهرت لك ، يريد أنه ثور يدور في الساقية . وجئت أنا إليه في سنة سبع عشرة وسبعمائة ، وسألته في أن أقرأ عليه المقامات الحريرية ، فقال : أنا واللّه قليل الأدب . وسمعته يوما يقول لمنصور الكتبي - رحمه اللّه - : يا منصور ! هذا أوان الحجاج ، اشتر لك منهم مائتي جراب ، وارمها خلف ظهرك إلى وقت موسمها ، تكسب فيها جملة ، فقال له : واللّه الذي يشتغل عليك في العلم ، يحفظ منك حرفا قدره عشر مرات . وقيل لي : إنه لما عمّر الأمير سيف الدين تنكز - رحمه اللّه تعالى - الجامع الذي له بظاهر دمشق ، كان قد عيّنوا له شخصا من الحنفية يلقب الكشك ؛ ليكون خطيبا ، فلما كان يوما ، وهو يمشي في الجامع المذكور ، أجري له ذكر الشيخ نجم الدين ومجموع فضله ، وأنه في الحنفية مثل الشيخ كمال الدين الزملكاني في الشافعية فأحضره ، واجتمع به وتحدثا ، ثم قال له ، وهما في الجامع يمشون : أيش تقول في هذا الجامع ؟ فقال : مليح ، وصحن مليح ، لكن ما يليق أن يكون فيه كشك ، فأعجب ذلك الأمير سيف الدين تنكز ، وأمر له بخطابة الجامع ، وسمعت خطبته في أول يوم خطب به ، وذلك في يوم الجمعة عاشر شعبان سنة ثماني عشرة وسبعمائة ، ثم إنه رسم له بعد مدة بتدريس الركنية ، فوليها سابع عشر المحرم