خليل الصفدي
195
أعيان العصر وأعوان النصر
مسلمون ونصارى جالسين على هيئة مخصوصة ، وكان الرائس مسلما ، فهاج البحر عليهم ، وهم في وسط اللجّة ، فاحتاجوا إلى أن يرموا بعضهم في البحر ؛ ليخفّ المركب ، فأرادوا يعملون القرعة ، وكان الرائس ذكيّا ، فنظر إليهم ، وقال : ما نحتاج إلى قرعة بل نعد من هنا ، وكل من جاء تاسعا ألقيناه إلى البحر ، فارتضوا جميعا بذلك ، وأخذ الرائس يعد ، وكلما جاء تاسع من النصارى ، رمى به إلى البحر إلى أن رمى ، فلما صنعت ذلك قدامة ، أعجبه ذلك وزهره ، ونحنح وبقي مفكّرا في ذلك ، واشتغل باله به عامة نهاره ، ثم إني فارقته وعدت إليه فوجدته يكرر عليها ، ويقول : أربعة مسلمون وخمسة نصارى ، ومسلمان ونصراني ، وثلاثة مسلمون ونصراني ومسلم ، وهو يدرس ذلك ويكرر عليه ، ويقع التخبيط عليه في سرد ذلك على الصحة ، فرحمته وقلت : يا مولانا ، هذا أمر يتعبك ، ولا ينضبط لك ، وقد تطلبه في وقت الحاجة ، فيشذ الصواب فيه عنك ، فقال لي : فكيف انضبط لك هذا ؟ قلت له : هذا ضابطه في بيت واحد من الشعر ، فطار عقله ، وقال : هذا أعجب ، ولم يصدق ، قلت : نعم ، بيت واحد حروفه المهملة مسلمون والمعجمة نصارى ، فلما أنشدته ذلك ، وصف القطع على حكمه وعدّه ، وصحّ معه خرج من حبال عقله ، فقلت : وأزيدك أخرى إن أردت صففت لك ، ثمانية ثمانية ، وسبعة سبعة وستة ستة ، وخمسة وخمسة وأربعة أربعة ، وثلاثة ثلاثة ، فقال : هذا بقاعدة أيضا ، قلت : نعم ، فقال : أريد تعلّمني ذلك ، فقلت : ما هو وقته ، وقمت وتركته ، وحفظ مني بيت التسعة وهو : ( المتقارب ) ولمّا فتنت بلحظ له * عذلت فما خفت من شامت وفرح به فرحا عظيما ، ثم إنه طالبني في آخر وقت بمعرفة القاعدة في ذلك ، فما قلت له ، وفرّق الدهر بيننا بعد ذلك . ونور الدين هذا في عذر مما ذهب ؛ لأنني وجدت الفاضل الأديب الكامل صفي الدين الحلي قد جاء إلى شيء مثل هذا ، فأراد ضبط صفّه ، وصنع له أبياتا ؛ لتعلق بالذهن ، فقال خمسة أبياتا أولها : جيش من الزّنج ، والإفرنج يقدمه * ما كان بينهما زوج من الخدم والضبط في هذا ببيت واحد أخصر ، وأحسن وأسرع في العمل ، إنني بعد فراقي لنور الدين هذا بثلاثين سنة ، أردت ضابطا لعدّ ستة وإلقاء السابع ، وأخذت نفسي به تصورته ، وعملت لذلك بيتا ، وهو : فديتك إنّ صدقي من فخار * أبان بناء سرّ في دعائي ثم إنني فكرت في رص مهارك النرد ، وهي ثلاثون مهركة ، وأردت أن توضع كذا