خليل الصفدي
126
أعيان العصر وأعوان النصر
الناس عليها . أخبرني القاضي شهاب الدين بن القيسراني ، قال : كنت يوما أقرأ البريد على الأمير سيف الدين تنكز ، فتحرّك على دائر المكان طائر ، فالتفت إليه يسيرا ، ورجع إلي ، وقال : كنت يوما بالمروج ، وشرف الدين بن فضل اللّه يقرأ علي بريدا جاء من السلطان ، والصبيان قد رموا جلمة على عصفور ، فاشتغلت بالنظر إليها ، فبطل القراءة ، وقال : يا خوند ، إذا قرأت عليك كتاب السلطان اجعل بالك كله مني ، ويكون كلك عندي ، ولا تشتغل بغيري أبدا ، وافهمه لفظة لفظة ، وما رأى أحد ما رآه هو من تعظيم الناس له ، رآه الملك الأشرف مرة ، وقد قام ومشى ، وتلقى أميرا ، فلما حضر عنده قال : رأيتك وقد قمت من مكانك ، وخطوت خطوات ، فقال : يا خوند ، كان الأمير سيف الدين بيدار النائب قد جاء ، وسلّم علي ، فقال : لا تعد تقوم لأحد أبدا ، أنت تكون عندي قاعدا ، وذاك واقف . ولما توفي القاضي فتح الدين محمد بن عبد الظاهر « 1 » بمصر ، وقام بعده عماد الدين بن الأثير مدة يسيرة ، طلب السلطان الملك الأشرف القاضي شرف الدين من دمشق ، ورتبه بعد عماد الدين بن الأثير في صحابة ديوان الإنشاء بالديار المصرية ، فأقام بها إلى أن جاء السلطان الملك الناصر من الكرك في سنة تسع وسبعمائة ، وكان قد وعد بالوظيفة للقاضي علاء الدين بن الأثير ، فأخرج القاضي شرف الدين إلى صحابة ديوان الإنشاء بدمشق ؛ عوضا عن أخيه محيي الدين ، فوصل إلى دمشق يوم السبت التاسع عشر من شهر اللّه المحرم سنة اثنتي عشرة وسبعمائة ، ولم يزل بها إلى أن توفي في التاريخ المذكور ، وهو ينفذ بريدا إلى بعض النواحي . ومتّعه اللّه بجوارحه لم يتغير سمعه ولا بصره ، ولا تغيّرت كتابته ، وخلف نعمة طائلة من الأموال . ولما مات بدمشق حضر شيخنا العلامة شهاب الدين أبو الثناء محمود مكانه في صحابه ديوان الإنشاء بدمشق ورثاه بقصيدة طنانة هي من البحر ( الطويل )
--> - وزحف على مصر فقاتل المظفر بيبرس وعاد إلى عرشه سنة 709 ه ، وقتل بيبرس بيده حنقا وشرد أنصاره وامتلك قيادة الدولة واستمر 32 سنة توفي بالقاهرة سنة 741 ه . ( انظر : مورد اللطافة لابن تغري بردي : 44 ، والسلوك للمقريزي القسمان الأول والثاني وفيهما استيفاء سيرته وتاريخ للدولة في أيامه وابن الوردي : 2 / 340 ) . ( 1 ) محمد بن عبد الظاهر هو : محمد بن عبد اللّه بن عبد الظاهر ، المتوفى في سنة 691 ه . ( انظر : الوافي بالوفيات : 3 / 366 ) .