خليل الصفدي

125

أعيان العصر وأعوان النصر

عرف مقاصدهم ، وأتاهم كما في نفوسهم ، مثل بنانه الذي فاض وبله ، يتحيل في عبارته ، ويتجنب مستثقل الألفاظ ، ويتحيد عن الألفاظ الغربية التي تهجر من الأعراب ، فلا يخرج الكتاب من يده إلا عذبا فصيح الألفاظ ، ظاهر المعاني لا يحتاج إلى التنبيه والإيقاظ ، يكتب خطا لو كان للحدائق يوما ما احتاجت للأزاهر ، أو للغواني ما تحلت بالجواهر ، متعه اللّه بحواسه الخمس ، وكان يسمع البعيد ويسمع الهمس ، وكان مخاديمه يحترمونه ويعظّمونه ، ويتوخّون كبار الدر ؛ لأجل الثناء عليه وينظمونه ، وكان كاملا في فنّه ، حاملا أعباء ديوانه إذا انفرد لا تثنه . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في يوم الثلاثاء الثاني من شهر رمضان سنة سبع عشرة وسبعمائة . ومولده في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وستمائة . وكان في أول أمره يلبس القماش الفاخر ، ويأكل الأطعمة المنوعة الشهية ، ويعمل السماعات الطيبة ، ويعاشر الفضلاء مثل الشيخ بدر الدين بن مالك « 1 » وغيره ، ثم إنه انسلخ من ذلك كله لما دخل الدولة ، وقتر على نفسه ، واختصر في ملبوسه ، وانجمع عن الناس انجماعا كليا ، وكان قد سمع في الكهولة من ابن عبد الدائم ، وأجاز له ابن مسلمة وغيره . وتنقّل إلى أن صار صاحب ديوان الإنشاء بمصر مدة طويلة ، وما كتب قدام أحد إلا وعظّمه ، واحترمه مثل حسام الدين لاجين والملك الأشرف والملك الناصر محمد بن قلاوون « 2 » والأمير سيف الدين تنكز ، كان يذكره كل قليل ، ويجعل أفعاله قواعد يمشي

--> ( 1 ) ابن مالك هو : محمد بن محمد بن عبد اللّه بن مالك الطائي ، أبو عبد اللّه بدر الدين نحوي هو ابن ناظم الألفية من أهل دمشق ولد بها وتوفي بها سنة 686 ه ، سكن بعلبك مدة ، له شرح الألفية يعرف بشرح ابن الناظم والمصباح في المعاني والبيان ، وروض الذهان في المعاني ، وشرح لامية الأفعال ، وكتاب في العروض ، وشرح غريب تصريف ابن الحاجب وغير ذلك توفي عن نيف وأربعين عاما . ( انظر : مفتاح السعادة : 1 / 156 ، والنجوم الزاهرة : 7 / 373 ، ومرآة الجنان : 4 / 203 ، وشذرات الذهب : 5 / 398 ، وبغية الوعاة : 96 ) . ( 2 ) الملك الناصر محمد بن قلاوون هو : الملك الناصر محمد بن قلاوون بن عبد اللّه الصالحي أبو الفتوح من كبار ملوك الدولة العلاوونية له آثار عمرانية ضخمة ولي سلطنة مصر والشام سنة 693 ه ، وخلع منها لحداثته 694 ه ، وأعيد للسلطنة 698 ه ، واستمر نحو عشرين سنة يملك ولا يحكم فأطهر العزم على الحج وتوجه بعائلته وحاشيته ومماليكه وخيله وبلغ الكرك فنول بقلعتها واستولى على ما فيها من أموال ، وأعلن أنه قد أثنى عزمه عن الحج واختار الإقامة بالكرك وترك السلطنة ، وكتب إلى الأمراء في مصر بذلك فاجتمع هؤلاء ونادوا بالأمير بيبرس سلطانا على مصر والشام سنة 708 ه ، ولقبوه بالملك المظفر وأمضى الناصر في الكرك قريبا من عام ثم وثب فدخل دمشق