خليل الصفدي
119
أعيان العصر وأعوان النصر
1063 - عبد المؤمن بن عبد الرحمن « 1 » الشيخ الإمام الكاتب المجود عزّ الدين بن العجمي . كانت له فضائل ، وعنده فوائد ومسائل ، وهو شيخ كتابة ، ورب ذكاء ومهابة . كان قد رحل إلى القاهرة ، وأهلها في ذلك العصر يفاخرون بالمكارم النجوم الزاهرة ، فانقطع في بيت بحارة أرجوان ، وأرخى على بابه ستارة أرجوان ، وتردد الناس إليه ، وأقبلوا بخواطرهم عليه ، فنفقت سوقه ومشت ، وما وقفت سوقه ، وراج وأذكى السراج ، وجبى ما وجب له من الإتاوة والخراج ، وكان يجلس في كل سوق حيث تباع المجلدات ، والدفاتر التي فيها دواوين العلوم مخلدات ، فيشتري منها القشات وما يمتري ، ويقع له فيها مخاريم من صحاح الجوهري « 2 » ، فيكمّلها بخطه ويناسب ، ويأخذ فيها مع ما يترجمه عليها ما شاء من المكاسب ، وكان يشد الكتب أحمالا أحمالا ، ويسير بها إلى حلب أجمالا أجمالا ، وحصل من ذلك جملا ، وأوفر من فوائدها جملا . ولم يزل على حاله ، إلى أن أخذه الموت في قشه ، وجعل التراب فرشه . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - سنة إحدى وأربعين وسبعمائة . وكان هو وأخوه الشيخ شمس الدين خطيب حلب - الآتي ذكره إن شاء اللّه تعالى في مكانه شيخي كتابة - . اجتمعت بالشيخ شمس الدين هذا بالقاهرة غير مرة في بيته وفي سوق الكتب ، وكان من رجال الدنيا في بابه ، وإذا ذكر الرجال ما يكونون قطرة في حساب سحابه . وكتب له شيخنا العلامة شهاب الدين أبو الثناء محمود - رحمه اللّه تعالى - إجازة ، وهي : أما بعد حمد اللّه جاعل علم البيان علما على الإعجاز ، وسلما إلى ارتقاء ذروة الفصاحة المستقرة على ركني الحقيقة والمجاز ، ووسيلة إلى الإحاطة بأسرار البلاغة المستكنة
--> ( 1 ) انظر : الوافي بالوفيات : 19 / 245 ، والدرر الكامنة : 3 / 2528 ، وإعلام النبلاء : 4 / 528 ، والسلوك : 2 / 3 / 553 . ( 2 ) الجوهري هو : إسماعيل بن حماد الجوهري ، أبو نصر أول من حاول الطيران ومات في سبيله ، لغوي من الأئمة أشهر كتبه « الصحاح » وله كتاب في العروض ومقدمة في النحو أصله من قاراب ودخل العراق صغيرا وسافر إلى الحجاز وعاد إلى خراسان ثم أقام في نيسابور وصنع جناحين من خشب وربطهما بحبل وصعد سطح داره ونادى في الناس لقد صنعت ما لم أسبق إليه وسأطير الساعة فازدحم أهل نيسابور ينظرون إليه . فتأبط الجناحين ونهض بهما ، فخانه اختراعه فسقط إلى الأرض قتيلا سنة 393 ه . ( انظر : معجم الأدباء : 2 / 269 ، والنجوم الزاهرة : 4 / 207 ، ولسان الميزان : 1 / 400 ونزهة الألباب : 418 ) .