خليل الصفدي
120
أعيان العصر وأعوان النصر
في طرفي الإطناب والإيجاز ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أوتي جوامع الكلم ولوامع الحكم ، التي يتضاءل لديها كل منثور من كلام البشر ومنتظم ، وعلى آله وصحبه الذين من زل عن سننهم ذل وهوى ، ومن تمسّك بسننهم فاز وسلم . فإني لما دخلت في غمار طلبة الأدب ؛ رغبة في اقتباسه ، وطعما في تحصيل بعضه بإدامة التماسه ، وحصلت كثيرا من كتبه رواية ودراية ، وعرفت ما أجتنب من نقائص المعاني ، والألفاظ التي لا تؤمن نكايتها في الأذهان السليمة بالسراية ، لم أزل أستضيء بنور أئمته ، وأهتدي بمنار من بلغ الغاية فيه من علماء أمّته ، وأقنع من لحاق من برز في مضماره برؤية غباره ، وأرضى من مآثر من صرفه على إيثاره بمشاهدة آثاره ، فنمت علي نفحات آدابهم ، ورفلت في فواضل ما تشبثت به من أهابهم ، وكاتبوني فأجبت بعدم الرغبة في العتق في رقّهم ، وجاروني فوافقتهم في المضمار الأدبي مع الاعتراف بتقدمهم وسبقهم ، فقبلوا من كلامي ما لولا حسن إغضائهم لم يقبل ، وأسبلوا علي ما اضطرتني إليه المباشرة ستر تجاوزهم ولولا جميل اعتنائهم لم يسبل . ولما فزت بالاجتماع بالجناب العالي الشيخي العزي نفع اللّه به ، طارحته في فنون الأدب غير مرة ، فرأيت من مواده بحرا لا يرى العبر عائمة ، وشاهدت من بدائهه برقا لا يفقد الري شائمة ، وفاوضت منه إماما تقطر الفصاحة من أعطاف قلمه ، وتخطر البلاغة في أفواف كلمه ، وتنزل المعاني المتمنعة من معاقل القرائح على حكمه ، وتقف جياد البداية حسرى دون الوسط في حلبة علمه ، إن وشي الطرس فرياض ، وإن أجرى النقس فحياض ، أو نظم فقلائد ، أو نثر ففرائد ، لا يتجاسر المعنى المطروق أن يلم بفكره ، ولا يقدم التخيل المسبوق على المرور بذكره ، ولا يجوز زيف الكلام على ذهنه المنتقد ، ولا يثبت عناء النظام لدى خاطره المتّقد ، فسمعت منه مقامات في العرفان ، قد وشى الأدب حبرها ، وحقق الطلب خبرها ، وزان الصدق لهجتها ، وزاد الحق بهجتها ، وحلتها البلاغة برقومها ، وكللتها الفصاحة بشهبها ونجومها ، تشرق القلوب بأضوائها ، وترتوي النفوس بأنوائها ، وتستضيء البصائر بأقمارها ، وتغتذي السرائر بما تجتني في رياض اليقين من يانع ثمارها ، ووقفت له على طرائق في التوحيد أوضّحها علمه لسالكها ، وهدى فكره الطائف بكعبتها إلى لطائف مشاعرها ومناسكها ، فمن أراد الصفا في سلوكه سعى من مروة الإخلاص إليها ، ومن تعرّض لنفحات الفتح الذي اقتصر في طرق تعبده عليها ، مع بروزها في ألفاظ أرقّ مساغا من الماء القراح ، وأدق مسلكا في الجسوم من الأرواح ، وأجلى لليل الشك البهيم من صباحة محيا الصباح ، إلى غير ذلك من أحاديث تكلم على بلاغتها وبلاغها ، وأبان ما جهلته الأفهام الظامئة من أسباب مساغها ، مما لم يبلغ بذلك إلا إرشاد الطالب ،