خليل الصفدي

70

أعيان العصر وأعوان النصر

وكان البدري قد تولى نيابة حلب بعد الأمير سيف الدين طقتمر الأحمدي ، وأقام البدري بالقاهرة قريبا من شهرين ، ثم إنه أخرج هو والأمير نجم الدين محمود بن شروين الوزير والأمير سيف الدين طغاي تمر الدوادار إلى الشام على الهجن ، فلمّا وصلوا إلى غزة لحقهم الأمير سيف الدين منجك ، وقضى اللّه فيهم أمره ، وأصبح طرف من ولاهم ، وهو بالبكاء أمره . وكان خنقهم في العشر الأواخر من جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين وسبعمائة . وكان هذا البدري كثير الرحمة ، على فكره للمبرات زحمة ، له ورد من الليل يقومه متنفّلا ، ويجلس على موائد التعبد وهو ملك متطفلا ، وكان يكتب الربعات بخط يده ، ويبالغ في تذهيبها وتجليدها ، ولا تقبل من صاحب فنده ، ولقد حاول أخذ ختمة مني وهو بدمشق ، وبذل الرغائب لي فأبيت ، وزخرفت الأعذار في عدم الخروج عنها ورأيت وراءيت . وأخبرني كاتبه القاضي زين الدين بن الفرفور ، أنه كان يخرج من كل سنة أول كل شهر مبلغ خمسة ألاف درهم للصدقة ، ويعتقد أن ذلك خير ما له من النفقة ، ولم يبد منه في حلب مدة نيابته غير واقعة ، المرأة التي قطع شعرها وأذنيها ، وجعلها بذلك تحكي النعامة لمن نظر إليها ، وما أقام بعدها في حلب إلّا قليلا ، ومضى إلى حلب يجر من الشقاء ذيولا . 509 - بيسري « 1 » الأمير الكبير بدر الدين الشمسي الصّالحي . كان من أعيان الدولة ، وممن له في الحروب ثبات وحولة ، وبين الأكابر صون وصولة ، وإذا قالوا لم يسمع ، وإذا قال سمعوا قوله ، وكان ممن ذكر للملك ، وانخرط في ذلك السلك ، وجرت له فصول ، ورد جملة من النصوص الواضحة ، وعارضها بالنصول ، وقبض المنصور قلاوون « 2 » عليه ، وأهدى الإهانة إليه ، وبقي في السجن سنين عدد الرهط الذين يفسدون في الأرض ، وخالف في أمره السّنة والفرض .

--> ( 1 ) انظر : الوافي بالوفيات : 10 / 364 ، والبداية والنهاية : 14 / 5 ، والمنهل الصافي : 3 / 500 . ( 2 ) المنصور قلاوون هو : أبو بكر المنصور بن محمد بن قلاوون سيف الدين الملك المنصور بن الملك الناصر من سلاطين الدولة القلاوونية بمصر والشام ، وهو أول من ولي من أبناء الملك الناصر محمد بن قلاوون ، وكان أبوه قد عهد إليه بالسلطنة فتولاها بمصر بعد وفاته سنة 741 ه ، فخلع الخليفة الوائق إبراهيم ، وأقام الحاكم بأمر اللّه أحمد بن سليمان ، ولد عام 720 ه ، وقتل عام 742 ه ومدة سلطنته ثلاثة أشهر . ( انظر : بدائع الزهور : 1 : 176 ، والسلوك للمقريزي 2 : 546 ) .