خليل الصفدي

7

أعيان العصر وأعوان النصر

فوجدها قد تسربلت « 1 » من المحاسن البديعة بأحسن سربال ، وتحلّت من المعاني البديهة بما هو أحلى في عين المحب المهجور وقلبه من طيف الخيال ، لكن مولانا غاب عن مملوكه غيبة ما كانت في الحساب ، وهجره وهو من خاطره بالمحل الذي يظنه إذا ناداه بالأشواق أجاب ، واتخذ بدعة الإعراض عن القائم ، بفرض الولاء سنة ، واشتغل عمن له عين رضى عن نسيان ما مضى من كليلة « 2 » ودمنة ، فخشي المملوك من تطاول المدة ، وخامر قلبه تقلبات الأيام ، فخاف أن تبقى أسباب المقاطعة ممتدة ، ووثق بما يتيقّن من حسن الموافاة ويعتقد ، فاقتضى حكم التذكار لطف الاقتصار توصلا إلى تفقد التودد ، ومن عادات السادات أن تفتقد بذكر أيام خلت مسرّة وهناء ، وليال أحلى من سواد الشباب أولت بوصال الأحباب اليد البيضاء . ( الكامل ) لو أنّ ليلات الوصال يعدن لي * كانت لها روح المحبّ فداء فيا لها من مليحة أقبلت بعد إعراضها ، ولطيفة رمقت بإيماء جفن مواصلتها وإيماضها ، وبديعة استخرج غواص معانيها من بحار معانيها كل درّة وصنيعة ، أبدى نظام لآليها من غرر أياديها أجمل غرّة ورفيعة ، جددت السرور ، وشرحت الصدور ، فعلت بما فعلت إكليل المجرّة ، ومتطولة رغبت المقصر فيما يختصر وحببت ، ومتفضّلة قضت بحق تفضيلها على ما سبق وأوجبت ، مودّتها في مهجتي لا يزيلها بعاد ، ولا يبلي الزمان جديدها ، واللّه يشكر ما خوله من فضل هذه المعالي والمعاني ، ويمتع بفضائله التي تغني أغانيها عن المثالث والمثاني . وبيني وبينه مكاتبات ومراجعات غير هذه ، وقد أوردت شيئا من ذلك في كتابي ألحان السواجع . وأخبرني يوما أنه زار قبر طقصبا المذكور ، فوجد قبره قد نبت به أنواع من الزهر ، وطلب مني نظم شيء في ذلك ، فأنشدته أنا لنفسي : ( الطويل ) درى أنّه لا صبر للنّاس بعده * فأهدى لهم أنفاسه في شمائله وأنشدته أيضا لنفسي : ( البسيط ) لا تنكروا زهرا من حول تربته * أضحى نسيم الصّبا من نشرها عطرا هذي محاسن ذاك الوجه غيّرها * بطن الثّرى فاستحالت فوقه زهرا

--> ( 1 ) السربال القميصي : وسربلة فتسربل أي ألبسه السربال . ( انظر : مختار الصحاح : 1 / 186 ) . ( 2 ) كتاب كليلة ودمنة : ألفه بيدبا الفيلسوف الهندي رأس الطائفة البراهمة لدبشليم ملك الهند وسماه « كليلة ودمنة » وجعله على ألسن البهائم والطير صيانة لغرضه فيه من العوام . وذكر السبب الذي من أجله أرسل كسري بن شروان بن قباذ بن فيروز ملك الفرس برزويه رأس الأطباء إلى بلاد الهند لإحضار كتاب كليلة ودمنة . ( انظر : مقدمة كليلة ودمنة : 9 وما بعدها ط بيروت 1960 ) .