خليل الصفدي
61
أعيان العصر وأعوان النصر
هاتها فوزنها ، فقال للمرأة : خذي هذه الدراهم ، وجهّزي بنتيك ، وأعطى الإقطاع لذلك الذي سلّم الدراهم . وكان في النيابة فيه خير كثير ، وإحسان إلى الناس غزير ، إلّا أنه كان يعكف على حسو السلافة ، ويرى أنه بتعاطي كئوسها قد نال الخلافة ، ما له رغبة في غير اجتلاء شوسها ، وتناول كئوسها ، واجتلاء أنوارها ، من يدي سقاتها الأقمار ، وتذهيب أشعتها لما عليهم من الأطمار ، لا يقابل من قابله بها بردّه ، فهي تغرب في فمه ، وتطلع في خده ، ومع ذلك فما يخل بالجلوس في الخدمة أوقات الخدم ، وثبات مالها في الدول المعروفة من قدم القدم . وكان قد ولى أخاه الأمير سيف الدين منجك الوزارة ، فاختلف في أمره ، فيما بين الخاصكية ، فأرضاهم بعزله أياما قلائل ، ثم إنه أخرج أمير أحمد الساقي إلى صفد نائبا ، ثم أخرج بعده الأمير سيف الدين الجيبغا إلى دمشق ، ثم أخرج حسام الدين لاجين العلائي - زوج أم المظفر - إلى حماة ، وأقام على حاله إلى أن عزم على الحج ، فقال له أخوه منجك : لا تحج ، واللّه يتم لنا ما تم للفخري وطشتمر فلم يسمع منه ، وتوجّه إلى الحجاز في سنة إحدى وخمسين وسبعمائة ، ومعه فاضل ومأمور ، وحج معه الأمير سيف الدين طاز والأمير سيف الدين بزلار وغيرهم من الأمراء ، فأمسك بعد توجهه الأمير سيف الدين منجك بأيام قلائل ، وقبض عليه الأمير سيف الدين طاز في الينبع في السادس عشر من القعدة سنة إحدى وخمسين وسبعمائة ، فقال لطاز : أنا ميّت لا محالة ، فباللّه دعني أحج فقيّده ، وأخذه معه ، وحج وطاف ، وسعى وهو مقيّد على إكديش ، ولم يسمع بمثل ذلك ، ولما عاد من الحجاز ، تلقّاه الأمير سيف الدين طينال الجاشنكير وأخذه ، وحضر به إلى الكرك ، وسلّمه إلى نائبها ، وتوجهوا بأخيه فاضل إلى القاهرة مقيّدا فدخلها - أعني النائب . ( الطويل ) تعجّب لصرف الدّهر في أمر بيبغا * ولا عجب فالشّمس في الأفق تكسف لقد ساس أمر الملك خير سياسة * ولم يك في بذل النّدى يتوقّف وأمسك في درب الحجاز ، ولم يكن وسلّم * له عن رضى السّلطان في ذاك مصرف للأقدار طوعا ، وما عتا * ولو شاء خلّى السّيف بالدّم يرعف وسار إلى البيت العتيق مقيّدا * وريح الصّبا تعتلّ والورق تهتف فيا عجبا ما كان في الدّهر مثله * يطوف ويسعى وهو في القيد يرسف وعاجوا به من بعد للكرك الّتي * على ملكها في نفسه يتأسّف وأودع في حصن بها شامخ الذّرى * تراه بأقراط النّجوم يشنّف سيؤويه من آوى المسيح ابن مريم * وينجو كما نجى من الجبّ يوسف