خليل الصفدي
462
أعيان العصر وأعوان النصر
سيف الدين كراي لنيابة دمشق ، عزله عن نظر الجامع والأوقاف ، وولى عوضه القاضي شرف الدين محمد بن جلال الدين النهاوندي « 1 » قاضي صفد ، ولما أمسك كراي ، وحضر الأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك عزل شرف الدين النهاوندي ، وولى القاضي تقي الدين عمر بن السلعوس . ثم إن الصاحب شمس الدين تولّى نظر الدواوين بدمشق في نصف المحرم سنة ثلاث عشرة وسبعمائة ؛ عوضا عن الشريف أمين الدين « 2 » وبدر الدين بن أبي الفوارس « 3 » ، لما حضر السلطان إلى دمشق ، وتولى شد الدواوين معه الأمير فخر الدين أياس مملوك الأعسر ؛ عوضا عن القرماني ، وباشر نظر الدواوين على القالب الجائر ، وأمسى كل أحد ، وهو في أمره حائر ، دخل في ناصر الدين الدوادار ، وتسلسل سعده ، وما دار ، وخدم تنكز ، وبالغ في الخدمة ، وثبت له على طول المدة قدم القدمة ، وخدمته الأيام والليالي ، وجرت أنهار دمشق له ذهبا ، وأصبح حصاها لآلي ، ووجه الناس بمباشرته السعيدة أمانا من الحوادث ، وبقيت المناصب في أيدي مباشريها أوقافا عليهم تنتقل من وارث إلى وارث ، وسد باب المرافعات والمصادرات ، واغتنم أفعال الخير مع الناس بالمعاجلة والمبادرات ، فكأنما كانت أيامه مواسم وهبات ، هباته نواسم ، وثغور الأيام فرحا به في رحابه بواسم ، والأرزاق بأقلامه قد أثقلت الغوارب وأعيت المناسم ، وسعادات تدبيره لأدواء اللأواء حواسم ، وربوع الجور والعدوان في مدة مباشرته طوامس ، ويقال : طواسم ، وكأن أبا الطيب أراده بقوله : ( الوافر ) لقد حسنت بك الأيّام حتّى * كأنّك في فم الدّنيا ابتسام ورأى دمشق ، وتمتّع بمحاسنها ، وتنعّم في ظلالها الوارفة من مساكنها ، واقتنى بها الأملاك النفيسة ، وحصل بها الأموال التي تكون البحار الزاخرة عليها مقيسة . ولم يزل في سعادة بعد سعادة ، وزيادة بعد زيادة ، إلى أن نقض حبله ونفض ويله ، فتغيّر له تنكز وتنكّر ، وأكمن له وتفكّر ، فاتفق مع السلطان على عزله ، وأن يريه جده بعد هزله ، فقبض عليه في الحادي عشر من شوال سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة ، وبقي في الاعتقال إلى أن حضر السلطان من الحجاز ، فطلبه إلى مصر ، فالتزم له بتكملة ألف ألف درهم .
--> ( 1 ) ستأتي ترجمته . ( 2 ) انظر : البداية والنهاية : 14 / 69 ، وقد سبقت ترجمته . ( 3 ) ستأتي ترجمته .