خليل الصفدي
463
أعيان العصر وأعوان النصر
ونزل إلى بيته ، وأقام بالقاهرة إلى أن أذنت شمسه بالغروب ، وجرت الدموع عليه من الغروب ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في ليلة السبت الثامن من عشر شوال سنة أربع وثلاثين وسبعمائة . وكان الصاحب شمس الدين سعيد الحركات ، خفيفا ظريفا ، حلو النادرة مليح التنديب ، كان في متعممي دمشق شخص يعرف بالقاق ، يندب الناس عليه ، ويمزحون معه بذلك ، ويظهر هو التأذّي بعض الأوقات ، فاتفق أنه سرق مرة جملة من الخشب من شيء كان يباشره ، وذكر أمره للصاحب شمس الدين فبقيت ، فلما كان في بعض الأيام جاءه ، فقال له : يا مشئوم الناس يقولون عنك قاق ، طلعت أنت نقّار الخشب . وكان فيه ستر وحلم ، لم يقع لأحد من أكابر دمشق واقعة إلا وسد خرقها ، وتدارك رمقها ، وتلافى عطبها على أحسن الوجوه ، ولم يكشف لأحد رأسا ، ولا ضرب أحدا بالمقارع ، ولا صادر أحدا ، ولا عزل أحدا ، وكان كلما انتشأ أحد من الأمراء خواص السلطان خدمه ، وباشر أموره بالشام ، وثمر له وأهدى ، وكان أولئك يعضدونه ويقيمونه ، وإذا جاء أحد من مماليكهم ، أو من جهتهم أنزله عنده ، وأزاح أعذاره وخدمه ، وكان مرجع دواوينهم إليه ، وأموالهم تحت يده يتجر لهم فيها ، ويتكسّب مثل بكتمر الساقي وقوصون وبشتاك ، وغيرهم كل من له علاقة بالشام ، ولا يخرج الحديث عنه ، وكان هو والقاضي كريم الدين الكبير متعاضدين جدا ، ودامت أيامهما مدة . وطلبه السلطان مرات إلى مصر ، فراح على البريد ، وعاد بزيادة إكرام وإنعام ، وزيادة معلوم ، ولما كان في سنة أربع وعشرين وسبعمائة طلبه السلطان إلى مصر ، وخلع عليه ، وباشر نظر الدولة مع الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالي الوزير ، وذلك في شهر رمضان ، فأقام بالديار المصرية على كره منه ؛ لأنه ألف دمشق ، واعتدال مزاجها ، فسعى سعيا جيدا ، وعاد إلى دمشق على عادته ، وقاعدته في نظر الدواوين ، ووصل إلى دمشق في يوم الاثنين الثامن عشر من صفر سنة ست وعشرين وسبعمائة ، وفرح الناس به واستبشروا ، وعاد القاضي كريم الدين الصغير ناظر دمشق إلى مصر . ولم يزل بدمشق على أكمل ما يكون من السعادة ، إلى أن قبض عليه تنكز بأمر السلطان في التاريخ المذكور ، وجعل في المدرسة النجيبية ، ورسم عليه الأمير علاء الدين المرتيني ، فكان يكون قدّامه وإذا دخل إلى الطهارة ، وعاد منها يقوم الأمير يمسك له فرجيته ، ويلبسها له ، ووزن في الشام أربعمائة ألف درهم ، ثم إن المرسوم ورد بطلبه إلى مصر فتوجه إليها ، ولما وصل نزل في الطبقة التي على دار الوزارة بقلعة الجبل ، وجاء إليه القاضي شرف الدين النشو ، وقعد بين يديه ، ولم يعرف من هو لبعد عهده بمصر ، فقال :