خليل الصفدي
447
أعيان العصر وأعوان النصر
ويدخل كاتب السر ، فيقرأ البريد عليه ، وفيه من الولايات والعزل جميع ما بالشام ، وأدخل أنا بعد ذلك ، فيقول : اخرج احمل لناظر الخاص كذا وكذا ، فأنا فلاح لذلك المولى ، وليس لي مع السلطان حديث إلا في فندق الجبن دار التفاح صناعة التمر جهات القاهرة ومصر ، فعلمت صحّة ما قاله . وأقام في الوزارة إلى أن كثر الطلب عليه ، فدخل إلى السلطان ، وقال : يا خوند ، ما يصلح للوزارة إلا واحد من مماليك مولانا السلطان يكون أمير مائة مقدم ألف ، واتفقا على الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالي ، فقال له السلطان : اخرج نفّذ أشغالك إلى آخر النهار ، وانزل إلى بيتك واسترح ، وأعلم الناس أن الوزير فلان ، فخرج ونفّذ الأشغال ، وكتب على التواقيع وأطلق ، ورتب إلى آخر النهار ، ونزل آخر النهار إلى بيته بالمشاعل والفوانيس على عادة الوزير ، والنظار والمستوفون والمنشدون قدامه ، ولما نزل على باب بيته ، قال : يا جماعة ، مسّاكم اللّه بالخير ، ووزيركم غدا علاء الدين مغلطاي الجمالي ، وكان ذلك عزلا ، لم يعزله وزير غيره في الدولة التركية ، وذلك يوم الخميس الثامن من شهر رمضان سنة أربع وعشرين وسبعمائة . ثم لازم بيته يأكل مرتبه ، إلى أن عمل الاستيمار في أيام الجمالي ، ووفر فيه جماعة ، فطلب هو من السلطان أن يتصدّق عليه بوظيفة ، فقال السلطان : تكون ناظر الدولة كبيرا مع الوزير ، فباشر النظر في شوال سنة ثمان وعشرين وسبعمائة ، هو والقاضي مجد الدين بن لفيتة أربعين يوما ، فكان حمله على الجميع ثقيلا ، فاجتمع الكتاب بأجمعهم عليه ، وقاموا كتفا واحدة ، فما كان إلا أن كان يوما ، وهو قاعد في باب الوزير لخدمة العصر ، وإذا خادم صغير خرج من القصر ، وجاء إلى باب الوزير ، وأغلق دواته ، وقال : يا مولانا ، - بسم اللّه - الزم بيتك فلزم بيته . ولما أمسك الصاحب شمس الدين غبريال ، وجاء السلطان من الحجاز ، وطلب غبريال إلى مصر ، رسم السلطان للصاحب أمين الدين بمكانه ناظر النظار بدمشق ، وذلك في صفر سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة ، فأقام بها بعمل الوزارة إلى أن أمسك السلطان النشو ناظر الخاص في سنة أربعين وسبعمائة ، طلب الصاحب أمين الدين إلى مصر ؛ ليوليه الوزارة ، فعمل الكتاب عليه ، وسعوا في أمره ، إلى أن انثنى عزمه عنه ، فأقام في بيته قليلا ، ثم أمسك هو ووالده القاضي تاج الدين ناظر الدولة والقاضي كريم الدين مستوفي الصحبة وصودروا ، وبسط عليهم العذاب ، إلى أن توفي هو - رحمه اللّه تعالى - تحت العقاب في سنة أربعين وسبعمائة . وكان الصاحب أمين الدين كثير التواضع والأدب ، مع جميع الناس كبارهم وصغارهم ،