خليل الصفدي
448
أعيان العصر وأعوان النصر
وكان قد أسنّ وكبر ، ولا يدخل عليه أحد إلا يقوم له ، ويحكى عقيب ذلك : أن خاله كان إذا جاء إلى قوم ، ولما حضر إلى دمشق أحبه الأمير سيف الدين تنكز أخيرا محبة كبيرة ، وكان يثني على آدابه وحشمته . ولما عمل نظر الدولة مع الجمالي كنت بالديار المصرية ، فطلبني وقال : أشتهي أن تكتب عني المكاتبات والأجوبة ، ورتب لي عليه شيئا ، وكنت أبيت معه وأصبح ، وأنا في جامكيته وجرايته وقماشه ، فيعاملني بآداب كثيرة وحشمة زائدة - رحمه اللّه تعالى - ، إذا جاءته قصة أو كتاب قلب ذاك ، وكتب في ظهره : مولانا يتصدّق ، ويكتب بكيت وكيت . ولما رسم له بنظر النظار بدمشق كنت إذ ذاك في ديوان الإنشاء بالديار المصرية ، وكتبت له توقيعا شريفا بذلك ، ونسخته : الحمد للّه الذي جعل ولي أيامنا الزاهرة أمينا ، وأحله ضمائر من ضمائرنا الظاهرة مكانا أينما توجه وجده مكينا ، وخصّه بالإخلاص لدولتنا القاهرة ، فهو يقينا يقينا ، وعضد بتدبيره ممالكنا الشريفة ، فكان على نيل الأمل الذي لا يمين يمينا ، وفجّر خلاله نهرا أصبح على نيل السعود معينا معينا ، وزيّن به آفاق المعالي ، فما دجا أمر إلا وكان فكره صبحا مبينا ، وجمل به الرتب الفاخرة ، فكم قلّد جيدها عقدا نفيسا ، ورصع في تاجها درّا ثمينا ، وأعانه على ما يتولاه ، فهو الأسد الأسد الذي اتخذ الأقلام عرينا . نحمده على نعمه التي خصتنا بولي تتجمّل به الدول ، وتغنّى الممالك بتدبيره عن النصار والخول ، وتحسد أيامنا الشريفة عليه أيام من مضى من الملوك الأول ، وتحلّ السعود حيث حل إذ لم يكن لها عنه حول . ونشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، شهادة نستمطر بها صوب الصواب ، ونرفل منها في ثوب الثواب ، وندّخر منها حاصلا ليوم الحساب ، ونعتد برها واصلا ليوم الفصل والمآب . ونشهد أن سيدنا محمدا عبده الصادق الأمين ، ورسوله الذي لم يكن على الغيب بضنين ، وحبيبه الذي فضل الملائكة المقرّبين ، ونجيه الذي أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى حجة على الملحدين ، صلّى اللّه عليه وعلى آله ، وصحبه الذين صحبوا ووزروا ، وأيّدوا حزبه ونصروا ، وبذلوا في نصحه ما قدروا ، وعدلوا فيما نهوا وأمروا ، صلاة تكون لهم هدى ونورا إذا حشروا ، ويضوع بها عرفهم في الغرف ويطيب نشرهم إذا نشروا ، وسلّم تسليما كثيرا إلى يوم الدين . وبعد : فإن أشرف الكواكب أبعدها دارا ، وأجلها سرا وأقلها سرارا ، وأدناها مبارا ، وأعلاها منارا ، وأطيب الجنات جنابا ما طاب أرجا وثمارا ، وفجّر خلاله كل نهر تروع