خليل الصفدي

408

أعيان العصر وأعوان النصر

الأشرف خليل بن قلاوون « 1 » . كان خليل مولاه خليل ، وحبيب مخدومه الجليل ، أمره وقدمه ، وخرب به ربع غيره وهدمه ، وحوّله إلى الإمرة وخوّله ، ومد يده في الخزانة فمد باعه وطوّله ، وأعطاه النفائس ، وكان به يفاخر القمرين ويقايس ، ولكنه زالت سعادته العظمى بعد مخدومه الأشرف ، وبالغ في التوقي والحذر ، وأسرف إلى أن اعتورته الصوارم والذوابل ، وهبرته وألقي على المزابل ، وذلك في سنة ثمان وتسعين وستمائة في شهر ربيع الآخر . كان قد استمر على إمرته بعد قتلة الأشرف في الدولة العادلية كتبغا ، وفي الدولة المنصورية لاجين ، فقام وقعد لحينه ، وكان لما قتل كرجي الملك المنصور حسام الدين لاجين ، توجّه طغجي إلى دار نائبه منكوتمر ، ودق عليه الباب فأخرجوه ، فعلم أنهم قد قتلوا أستاذه ، فاستجار بطغجي فأجاره ، وحلف له ، ثم إنهم توجهوا به إلى الجب ، فاغتنم كرجي غفلة طغجي ، وأطلع منكوتمر من الجب وذبحه ، واتفقوا على إحضار الملك الناصر محمد من الكرك للملك ، وأن يكون طغجي نائبا له ، وحلفوا له على ذلك ، فبقي في النيابة أربعة أيام ، فلما قدم الأمير بدر الدين بكتاش من تجريدة حلب ، ومن معه من الأمراء طلع طغجي وكرجي وغيرهما ؛ لملتقى الأمراء برا القاهرة ، فلما التقوا تباله عليهم أمير سلاح ، وقال لطغجي : كان عادة السلطان يطلع إلينا ويتلقّانا . فقال : وأين هو السلطان ؟ قد قتلناه ، فعرج بفرسه عنه ، وقال : إليك عني أكلما قام للمسلمين سلطان ، وثبتم عليه وقتلتموه ! فاعتوره أعوان السلطان الذي قتل بالسيوف ، وقتلوه ظاهر القاهرة ، ورمي على مزبلة هناك ، وحجه الخلائق للفرجة والعبرة ، ثم إنه دفن بتربته ، وقد نيف ، ومن حلاوة شكله وظرفه ومحاسنه ، أطلع الناس تفاصيل قماش ، وسمّوها طغجي ، ويقال : إنه كان بخدمة الأشرف في البلاد الحلبية ، فمرّ السلطان بقرية جيلان « 2 » ، فقال له : ما اسم هذه القرية يا طغجي ؟ فقال له : جيلان ، فقال له السلطان : اقعد ، فنزل عن مركوبه ، وقعد على الأرض ، فقال له السلطان : قم ، واركب ، فقال : السلطان رسم بالقعود ، وما أقوم ، فقال : قم ، وخذها لك ، فباس الأرض ورجله ، وركب معه .

--> ( 1 ) الأشرف بن قلاوون هو : خليل بن قلاوون الصالحي الملك الأشرف صلاح الدين ابن السلطان الملك المنصور من ملوك مصر ، ولي بعد وفاة أبيه سنة 689 ه ، واستفتح الملك بالجهاد فقد البلاد الشامية وقاتل الإفرنج فاسترد منهم عكة وصور وصيدا وبيروت وقلعة الروم وبيسان وجميع السواحل توفي عام 693 ه . ( وقد سبقت له ترجمة انظر : السلوك للمقريزي 1 : 756 ) . ( 2 ) جيلان ليست مدينة كبيرة وإنما هي قرى في مروج بين جبال ينسب إليها جيلاني وقد نسب إليها من لا يحصى من أهل العلم . ( انظر : معجم البلدان : 2 / 201 ) .