خليل الصفدي
388
أعيان العصر وأعوان النصر
يجد وجه وده إلا صبيحا ، أثيل المكانة أثير الاستكانة إذا شفع فلا يرد ، وإذا منع فلا يصد ، لا يكاد يصبر عن رؤيته ، ولا يراه يحاول أمرا إلا فداه بمهجته ، فلذلك أغدق سحائب إنعامه ، وروق له شراب إكرامه . ولم يزل حاله عنده مستصحبا ، إلى أن قال له اللحد : مرحبا . وجاء الناصر حسن بعده ، فأجراه على ما اعتاد ، وسلم منه رسن المحبة له واقتاد ، وارتاح إلى تعظيمه وارتاد ، ولم يزل في أوائل الدولة الناصرية معظم الجانب ، مقدم الوجاهة إلى قود المقانب ، إلى أن طلع الأمير علاء الدين مغلطاي « 1 » من الإصطبل ، وزحف على هلاك تلك الدولة ، وضرب الطبل ، فأمسك الوزير منجك وغيره ، فأطار بالشر في الآفاق طيره ، وكان الأمير سيف الدين طان يرق فيمن أخرجه ، ووغر خاطر السلطان عليه وأحرجه ، فخرج إلى حماة نائبا ، وباشر أمرها فأحسن إلى أهلها ذاهبا وآئبا . أول ما ظهر من أمره ، أنه كان معظّما عند الملك المظفر حاجي ، وحضر في أيامه إلى حلب في البريد ، وجاء على يده كتاب من المظفر إلى الأمير سيف الدين يلبغا نائب الشام ، يقول فيه : إننا قد تراهنّا - نحن والخاصكية الأمير سيف الدين الجيبغا وغيره - أنه إن حضر إليك الأمير سيف الدين طان يرق أنك تضربه ، وقال المشار إليهم : أنك ما تضربه ، فلا تدعنا نغلب معهم ، وحضر على يده كتب المذكورين ، أنه إن ضربه يكن خفية ، فما أمكن يلبغا إلا أن ضربه في خفية ضربا يسيرا خفيفا . ولم يزل أميرا ، ثم كبر وزاد عظمة في أيام الناصر وأيام الوزير منجك ، ولما جرى ما جرى من إمساكه ، طلب الأمير سيف الدين أسندمر العمري من حماة ، وجهّز إليها الأمير سيف الدين طان يرق ، فوصل إليها في يوم الاثنين السادس عشر من ذي الحجة سنة إحدى وخمسين وسبعمائة ، وأخرج إلى حماة في يومه ، ولم يمهل وأقام بحماه ، إلى أن رسم للأمير سيف الدين أرغون الكاملي بنيابة دمشق ، فرسم للأمير سيف الدين طان يرق بالحضور إلى دمشق ، والإقامة بها بطالا ، فوصل إليها في شعبان سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة ، وأقام بها بطالا لازما بيته . ولما تحرك بيبغاروس ، وأراد الحضور إلى دمشق ، وتوجه أرغون الكاملي بالعساكر إلى لد ، أخذ الأمير سيف الدين طان يرق معه ، وكتب إلى السلطان في معناه ، فجاء الأمير عزّ الدين طقطاي الدوادار إلى لد ، ومعه تقليد للأمير سيف الدين طان يرق بنيابة حماة وتشريفه ، فلبسه هناك ، وأقام إلى أن حضر السلطان ، ودخل إلى دمشق مع الأمير سيف
--> ( 1 ) سبقت الترجمة له في الجزء الأول ( انظر : ترجمة له في البداية والنهاية 14 / 175 ) .