خليل الصفدي

325

أعيان العصر وأعوان النصر

سير ، وقيّده الأشرف ، وألبسه عباءة ؛ ليقتله ، ثم عفا عنه وخلع عليه ، وذلك في سنة تسعين وستمائة ، وأعاده إلى النيابة ، وكان ذلك بعد عود الأشرف من عكا . ولما اعتمد ما اعتمده في أمر القلعة أيام غازان عظم في النفوس ، وكان التتار قد طلعوا فوق سطوح دار السعادة ، وتسلطوا على القلعة ، ورموها بالنشاب ، فرمى عليهم قوارير النفط فاحترقت الأخشاب ، وسقطت بهم السقوف في النار ، وفعل ذلك بالعادلية ودار الحديث الأشرفية . وكان عبد الغني بن عروة « 1 » الفقير يحكي عنه حكايات تدل على سلامة الباطن ، وقد أوردت منها جانبا في ترجمة عبد الغني المذكور في حرف العين مكانه . 744 - سنجر الأمير علم الدين الجاولي « 2 » بالجيم : كان أميرا كبيرا من أمراء المشور ، الذين يجلسون في حضرة السلطان . سمع وروى ، وبزغ نجمه في الفضل وما هوى . وكان خبيرا بالأمور ، مرت به تجارب الأيام والدهور ، عارفا بسياسة الملك وتدبيره ، وفصل حاله وتحريره ، ولي عدة ولايات من نيابات وغيرها ، وكان فيها كافيا عارفا بسبرها ، وهو الذي مدن غزة ومصرها ، وفتح عينها وبصرها ؛ لأن الجاولي جاء وليّا في حماها ، فعظم شأنها بولاية وحماها ، وعمّر بها قصرا للنيابة فسيح الأرجاء ، شاهق البناء عالي الثناء ، وعمّر بها حمّاما اتسع فضاؤه وارتفع سماؤه ، وتأرّج هواؤه وتموّج ماؤه ، وتفنن في الحسن بناؤه ، وزهرت نجوم جاماته ، وبهرت من رخامه زهرات خاماته ، ثم إنه في النيابة الثانية عمّر بها جامعا لأنواع المحاسن جامعا ، وبرقه يرى في سماء الإتقان لامعا ، تسفل الثريا عن أهلة مئذنته المترفّعة ، وتبهت عيون النجوم في محاسن محرابه المتنوعة . وكان - رحمه اللّه تعالى - يذكر أصحابه في مغيبهم ، ويوفر من إحسانه قدر نصيبهم ، ويكرمهم إذا حضروا ، ويتمناهم إذا سافروا ، ويستجليهم إذا سفروا ، انتفع به جماعة من الكتّاب والعلماء ، وزمرة من الكبراء والأمراء . ولم يزل على حاله ، إلى أن جاء ولي الموت إلى الجاولي ، فتلقاه بالكرامة ، وراح إلى اللّه على طريق ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في التاسع من شهر رمضان سنة خمس وأربعين

--> ( 1 ) عبد الغني بن عروة هو : ابن عبد الصمد ، ستأتي ترجمته . ( 2 ) انظر : الدرر الكامنة : 2 / 1877 ، تالي وفيات الأعيان : 87 ، العبر في خبر من غبر : 5 / 299 ، شذرات الذهب : 5 / 449 ، الدارس : 1 / 49 ، المنهل الصافي : 6 / 68 ، النجوم الزاهرة : 8 / 193 ، عقد الجمان : 4 / 114 ، تذكرة النبيه : 1 / 239 ، الوافي بالوفيات : 15 / 482 ، وفيات ابن رافع : 1 / 498 .