خليل الصفدي
314
أعيان العصر وأعوان النصر
زبون ، لا يكاد يفوته موضع ، لا ينجو من خفه موقع ، ومهما جرى في ذلك المجلس ، أنشد هو من المدائح ما يوافق ذلك ، ويؤنس ويحضر دروس الغزالية ، ويقوم عقيب الفراغ ، وينشد قصيدة حالية ، ويحج كل سنة ، ويكون في الركب مؤذنا ، ويقوم على كل من يموت موبنا ، وينشد ما يحفظه جيدا من غير لحن ولا تحريف ، ولا خروج عن قواعد التصريف ، إلا أن الناس كانوا يستثقلونه ، ويبخسون حظه ويهملونه . ولما مات ما قام مقامه أحد ، ولا خلفه من اعترف بفضله أو جحد . ولم يزل على حاله ، إلى أن نشد فما وجد ضائعه ، وكسدت بعده بضائعه . وكان قد سمع ، وروى عن عمر بن القواس . وكتبت له مرسوما على ظاهر قصة ، وقد توجه مؤذنا بالركب ، ونسخة ذلك : لأنه المنشد الذي أضحت قصائده غاية المقصود ، والمطرب الذي يقال فيه : هذا سليمان ، وقد أوتي مزمارا من مزامير داود ، والحافظ الذي يعرب إنشاده ، والفصيح الذي يعلو به النظم إن شاده ، لو سمعه الصرصري لعلم أنه فيما يورده متبصّر ، ويحقق أن السامعين له إذا بكوا وخضعوا عرانيق ماء تحت باز مصرصر ، كم حرّك ساكن القلوب بلفظه البديع ، وأجرت عبارته العبرات من بحره السريع ، وجعل المحافل رياضا ؛ لأنه أبو الربيع ، فليؤذن آذانا إذا سمعه الركب أقام ، وقالوا : هذا المؤذن الذي للناس كلهم إمام ، واللّه يرزقنا شفاعة من يجلو علينا مدائحه ، ويفيض علينا في الدنيا والآخرة منائحه ، بمنّه وكرمه - إن شاء اللّه تعالى - . وكان قد حضر بعض أفاضل العصر من مصر ، ورأى ما يفعله علم الدين المذكور من الإنشاد في المجامع ، فأنكر ذلك ، وأنشدني : أهل دمشق منهم * قد ضاع ما لا يوجد فكلّما تجمّعوا * يقوم فيهم منشد قلت : هذا خطأ فاحش في التصريف ، فإنه يقال : نشد الضالة فهو ناشد ، وأنشد قصيدة فهو منشد . 731 - سليمان بن عمر بن سالم « 1 » ابن عمرو بن عثمان الشيخ الإمام قاضي القضاة جمال الدين الزرعي الشافعي ، عرف بذلك ؛ لأنه حكم بزرع مدة .
--> ( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 2 / 1858 ، الوافي بالوفيات : 15 / 416 ، البداية والنهاية : 17 / 167 ، تاريخ أبي الفداء : 4 / 110 ، شذرات الذهب : 6 / 107 ، الدارس : 1 / 321 ، المنهل الصافي : 6 / 46 ، النجوم الزاهرة : 9 / 304 .