خليل الصفدي

307

أعيان العصر وأعوان النصر

ودخل بغداد سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة ، واجتمع بفضلائها ، وسافر إلى خراسان والري ، وعاد إلى مادرين ، ثم رد إلى القاهرة ثانيا ، وكان قد دخلها أولا مع عمه قاضي القضاة برهان الدين ، وكان يقرأ له الدرس في مدارسه بالقاهرة ، وأذن له في الإفتاء . ودرس بالديلمية ، وحضر درسه أول يوم قاضي القضاة جلال الدين القزويني وبقيّة القضاة . ودخل اليمن سنة خمس وأربعين وسبعمائة بعد ما حج ، واجتمع بصاحبه ، فأقبل عليه ، وأنس به ، ورأيت خطه إليه في عدة أوراق بآداب كثيرة ، ولطف زائد ، وخوّله نعما أثيلة . وباشر عندهم ، ثم إنه تزوّج بابنة الوزير ، وحد صحبة الملك المجاهد صاحب اليمن في سنة إحدى وخمسين وسبعمائة ، فجرت لهم تلك الأحوال ونهبوهم . أخبرني صدر الدين من لفظه قال : عدم لي في البر والبحر ، ما قيمته خمسة وعشرون ألف دينار . وحضر إلى دمشق ومعه جملة من الجواهر الثمينة ، ثم إنه توجه إلى القاهرة ، وسعى في أيام الأمير سيف الدين شيخو ، فباشر توقيع الدست بالقاهرة سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة - فيما أظن - ، وبعد قليل رسم له بنظر الأحباس مع توقيع الدست . وجرت له حركة بسبب جارية تزوجها من جواري السلطان ، تخلخل أمره فيها ، ثم سكن ، فلما أمسك الأمير سيف الدين صرغتمش أخرجوه إلى دمشق موقعا في سنة ستين أوائلها ، فجاء إليها ، ولم يباشر شيئا ، وأقام في دمشق لا يظهر ، إلى أن سافر منها ، واختفى خبره ، ثم ظهر أنه مقيم بنابلس لا يظهر ، ومعه مملوك له مليح الصورة يدعى طشتمر ، ثم توجه إلى الحجاز سنة ستين وسبعمائة ، ثم إنه دخل اليمن ومملوكه معه ، فلما وصل إلى المهجم توفي - رحمه اللّه تعالى - ، قيل : إنه قتل ؛ لأنه كان معه قطعة بلخش عظيمة ، كان يدّعي أنها لصاحب اليمن ، وكان قد تولى القضاء ببغداد وبماردين أيضا . وكان - رحمه اللّه تعالى - عديم الكلفة مطرحا للرئاسة ، يمشي في باب اللوق ، ويمشي تحت قلعة دمشق ، وكان هشا بشا رضي الأخلاق ، اجتمعت به غير مرة ، وأنشدني كثيرا من شعره ، وكان جيد النظم ، تقعّد معه التورية والاستخدام وصناعة البديع ، وجوّد فنون الشعر من الموشح والزجل والمواليا والقريض وغير ذلك . أنشد لنفسه بالقاهرة سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة : أيري كبير ، والصّغير يقول لي : * أطعن حشاي به ، وكن صنديدا ناديت هذا لا يجوز فقال لي : * عندي يجوز فنكته تقليدا وأنشدني لنفسه سنة اثنين ، وخمسين وسبعمائة :