خليل الصفدي

290

أعيان العصر وأعوان النصر

بدمشق ، ثم عزل في أيام الصاحب أمين الدين وصودر ، وذلك في سنة خمس وثلاثين وسبعمائة - فيما أظن - ، ثم إنه في أيام قطلوبغا باشر صحابة الديوان ، وكان في مصر أولا في زكاة الكارم ، ثم إنه باشر عند الأمير سيف الدين منكلي بغا الناصري السلاح دار ، وكان أولا مع والده عند قرا سنقر ، وهو خصيص به ، وتوجّه معه إلى البرية ، وعاد منها . وكان من ذوي المروءات ، وأولي الرغبة في الفتوات ، يخدم الناس بجاهه وماله ، ويولي الإحسان قبل سؤاله . وكان النظم عنده أهون من التنفّس ، وأسرع من القطر عند التبجّس ، فكنت أتعجّب من أمره ، ويحصل لي نشوة من كئوس خمره ، مع أنه نظم عذب ، أمضى من عضب ، قد خلا من التعقيد والتعاظل المكروه ، وانسجم فلا يظهر عليه كلف تكلّف ولا يعروه . وكان فصيحا في اللغة التركية ، وما يورده من عباراتها المحكيّة ، وكان للكتب جمّاعة ، ونفسه في الاستكثار منها طمّاعة ، حصل منها شيئا كثيرا ، واقتنى منها أمرا كبيرا . وكان خطه أبهى من الرياض ، وأبهج من ترقرق المياه في الحياض ، وكتب بخطه كثيرا من المجلدات ، وجمع مجاميع هي بين الأدباء مخلّدات . وكان في صناعة الحساب بارعا ، وفي عقد الجمل للبرق مسارعا . الشيخ صدر الدين بن الوكيل ، وجمع شعره ودوّنه ، ورواه عنه ، وروى من شعر ابن سيد الناس « 1 » وأكثر منه . ولم يزل على حاله ، إلى أن زال من الحياة ملك سليمان ، وراح ولم ينفعه مما جمع غير التوحيد والإيمان . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في يوم الأحد السابع عشر من جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وسبعمائة . ومولده الثامن من عشر المحرم سنة سبع وسبعين وستمائة . كتب هو إلي ، وأنا بالقاهرة سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة : يا غائبا غاب عن عيني فلم تنم * وذاهبا فضله قد شاع في الأمم

--> ( 1 ) ابن سيد الناس هو : محمد بن محمد بن أحمد بن سيد الناس ، اليعمري الربعي أبو الفتح مؤرخ عالم بالأدب من حفاظ الحديث ، له شعر رقيق أصله من أشبيلية ومولوده عام 671 ه ، بالقاهرة ووفاته بها 734 ه ، من تصانيه عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير ، وبشرى اللبيب في ذكرى الحبيب ، وتحصيل الإصابة في تفضيل الصحابة ، وغير ذلك كثير . ( انظر : فوات الوفيات : 2 : 169 ، وذيل تذكرة الحفاظ : 16 ، 350 ، والوافي بالوفيات : 1 : 289 ، والدرر الكامنة : 4 : 208 ) .