خليل الصفدي

149

أعيان العصر وأعوان النصر

فكتبت أنا الجواب عن ذلك : ( البسيط ) أبياتك الغرّ قد أتتني * فشرّفتني ، وشنّفتني شعرك فيها ظريف لفظ * لطيف معنى ، خفيف وزن قد أثقلت كاهلي بشكر * فكلّ متني إذ كلّمتني وإن تخلّفت عن حماكم * يا طول دقّي في الجرن حزني وكتب هو إليّ ، وقد توالت الأمطار ، والثلوج في العشر الأواخر من رمضان سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة : كيف مولانا ألحف اللّه ظله ، وأرشف طله ، ووبله ، وحمل على أعناق الأيام كله ، وجعل مثله السحاب الجود ، ولا أعرف مثله ، وضاهى برزقه هذا الغيث الواقع على خلاف القياس كله فإن هذا اليوم قد عزز الصّنى ، والصنبر ، وعجز الصبر ، وعزى سكان الأجداث بالأحياء فكل بيت قبر : ( مجزوء الكامل ) يوم كأنّ سماءه * حجبت بأجنحة الفواخت جاء الطوفان ، والبحر المحيط ، وجاب الصخر بوادي الربوة دم سيله العبيط ، وجال في وجه البسيطة حياؤه فما انبسطت الخواطر بجوهره البسيط أخفت النجوم في ليله ، واطلع الحي القيوم على زنته الراجحة وكيله ، وتراكمت سحبه الساترة فضاء الأفق بفضل ذيله ، وأجلب على الوهاد ، والربا برجله الطامة ، وخيله فكأنما ، وهت عرى ذلك الزمهرير فهبط أو هيض جناح السحاب الجون فسقط أو حل سلك النجوم الزاهر ففرط جوهر ذلك القطر لما انفرط فالجدران لهيبته مطرقة ، والعمران قد تداعت ، ولا يقيل البناء جموعها المتفرقة ، والطرق قد شرقت بالسيول فلا تنطق آثارها المغربة ، ولا المشرقة ، وقد قص جناح الارتكاض ، وحصت قوادمه فما تنهض ، وعظمه مهتاض ، والسيل قد بلغ الزبا ، وسوى بين الوهاد المتطامنة والربا ، وبكت السقوف بعيون الدلف ، وحملها المطر بيده العادية على خطه خسف ، واستدل لها بمنطق الرعد على أن قدامها الخير فقالت : هذا خلف ، وشهر الصوم قد بلغ غايته ، وعيد الفطر قد نصب رايته ، وتلا آيته ، وطلب من الموسر ، والمعسر كفايته ، فأعاذ اللّه مولانا من الطلب فيه ، ولا ألجأه إلى السعي لابتغاء فضل اللّه إلا بفيه بمنه ، وكرمه . فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك : العجب من سؤال مولانا عن المملوك كيف حاله ، وعنده علم هذا العناء الذي نصب