خليل الصفدي

150

أعيان العصر وأعوان النصر

على الأين ، والنصب تمييزه ، وحاله ، وهي حال أبي « 1 » الطيب ، وما علم ابن منصور « 2 » بها ، ولو علم استعمل التبالة . أما ترى هذا النوء الذي ذم نواله ، وحمد نواه ، وأذهل الصائم عن صومه فما بيت أمره ، ولا نواه ، وشغله من حسه فما يدري أفطر على تمرة أم نواه قد هال الجبال أمره فشابت من الفرق إلى القدم ، وغمرت سيوله الأباطح ، والربا ، ولكن من الزيادة بدم كيف يهنأ العيش ، وبروق الجو سيوف تخترط ، ونفس هذه الرعود يخرج بعد ما حبس في حشا السحاب ، وانضغط ، وإلحاح سائل هذا المطر فلو كان قطره درا لما مدّ الفقير إليه يدا ، ولا التقط ، وتوالي هذه الغيوث التي لو عاينها ابن هاني « 3 » لما قال : كأن الأيام قواف اندمجت في الليل أو النجوم أقاح ، ولكن غطاها تراكم السحاب بالذيل أو كأن اللّه جعل الزمان سرمدا فما يتعاقب فيه شمس ، ولا قمر ، ولا تصفو لجة الأفق بضوء ، ولا ترميها الدياجي بكدر قد تزاحمت الغياهب على المواقيت بالمناكب ، وجهلت المدد فيا ، وحشتا لحاجب الشمس ، ومحيا القمر ، وعيون الكواكب أكل هذا تشريع تشرين ، وشره شره الذي نتجرع من أمره الأمرين ، وشهرة شهره فيها أيام كانون إذا جئت ما ذا تبيعين ، وتشرين أما المساكن فأهلها مساكين ، وأفواههم من الحزن مطبقة فما تفتحها السكاكين قد انتبذ كل منهم زاوية من داره ، وتداخل بعض في بعض لتضمه بقعة على مقداره هربا من توقيع أكف الوكف « 4 » ، وخوفا من ركوع الجدار ، وسجود السقف ، وما يعتقد المملوك أن في كانون هذه الجمرات ، ولا أن ساباط سباط وأذى آذار يرمي القلوب بهذه الحسرات ، وتمام التعثير في الركوب إلى دار السعادة ، والكتابة التي صارت في هذا الزمان زيادة في نقص السيادة ، واتساع هذه الأهوال ، وضيق ذات اليد مضاف إلى ضيق النفوس ، وبصاق هذا الثلج في

--> ( 1 ) أبو الطيب المتنبي هو : أحمد بن الحسين بن الحسن أبو الطيب المتنبي الشاعر الحكيم ولد سنة 303 ه ، وتوفي سنة 354 ه ، وقد سبقت الترجمة له . ( 2 ) ابن منصور هو : علي بن منصور الحاجب ، مدحه المتنبي بقصيدة مشهورة ، والحال التي أشار إليها المصنف هي ما جاء في قوله : حالا متى علم ابن منصور بها * جاء الزّمان إلىّ منها تائبا ( 3 ) ابن هاني هو : محمد بن هاني بن محمد بن سعدون الأندلسي أبو القاسم يتصل نسبه بالمهلب بن صفرة أشعر المغاربة على الإطلاق وهو عندهم كالمتنبي عند أهل المشرق ، وكانا متعاصرين ولد بأشبيلية سنة 326 ه وحظى عند صاحبها واتهمه أهلها بمذهب الفلاسفة وفي شعره نزعة إسماعيلية بارزة . توفي سنة 362 ه . ( انظر : وفيات الأعيان : 2 : 4 ، وتبين المعاني : مقدمته 19 - 58 ، والنجوم الزاهرة : 4 : 67 ، ودائرة المعارف الإسلامية : 1 : 289 ) . ( 4 ) الوكف : هو السقوط ويشمل سقوط الجدار وسقوك السقف . وسقوط البناء .