خليل الصفدي
136
أعيان العصر وأعوان النصر
خضت الدّجنة حتّى لاح لي قبس * وبان بان الحمى من ذلك القبس فقلت للقوم : هذا الرّبع ربعهم * وقلت للسّمع : لا تخلو من الحرس وقلت للعين : غضّي عن محاسنهم * وقلت للنّطق : هذا موضع الخرس وقال الشيخ شمس الدين الذهبي : هو الشيخ الزاهد الكبير أبو علي بن هود المرسي أحد الكبار في التصوف على طريقة الوحدة ، وكان أبوه نائب السلطنة بها عن الخليفة الملقب بالمتوكل حصل له زهد مفرط ، وفراغ عن الدنيا ، وسكرة عن ذاته ، وغفلة عن نفسه فسافر ، وترك الحشمة ، وصحب ابن سبعين « 1 » ، واشتغل بالطب ، والحكمة ، وزهديات الصوفة ، وخلط هذا بهذا ، وحج ، ودخل اليمن ، وقدم الشام . وكان غارقا في الفكر عديم اللذة مواصل الأحزان فيه انقباض عن الناس حمل مرة إلى والي البلد ، وهو سكران أخذوه من حارة اليهود فأحسن الوالي به الظن ، وسرحه سقاه اليهود خبثا قلت : لأن اليهود نالهم منه أذى ، وأسلم على يده منهم جماعة منهم سعيد ، وبركات . وكان الشيخ يحب الكوارع المغمومة فدعوه إلى بيت ، واحد منهم ، وقدموا له ذلك فأكل منه ثم غاب ذهولا على عادته فأحضروا الخمر فلم ينكر حضورها ، وأداروها ثم ناولوه منها قدحا فاستعمله تشبها بهم فلما سكر أخرجوه على تلك الحالة ، وبلغ الخبر إلى الوالي فركب ، وحضر إليه ، وأردفه خلفه ، وبقي الناس خلفه يتعجبون من أمره ، وهو يقول لهم بعد كر فترة : أي ، وأيش قد جرى ابن هود شرب العقار يعقد القاف كاملا في كلامه ، وفي ذاك يقول علاء الدين علي الوادعي ، ونقلت ذلك من خطه : ( المجتث ) قالوا ابن هود قد غدا * سكران من خمر المعازف وأعيذه لكنّه * سكران من خمر المعازف وكان اليهود يشتغلون عليه في كتاب الدلالة ، وهو مصنف في أصول دينهم للرئيس
--> ( 1 ) ابن سبعين : عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن محمد بن نصر ابن سبعين الأشبيلي المرسي أبو محمد كم زهاد الفلاسفة ، ومن القائلين بوحدة الوجود درس العربية كتاب « الحروف الوضعية في الصور الفلكية » و « شرح كتاب إدريس عليه السّلام الذي وضعه في علم الحرب » له مريدون وأتباع يعرفون بالسبعينية . قال ابن دقيق العيد جلست مع ابن سبعين من ضحوة إلى قرب الظهر وهو يسرد كلاما تعقل مفرداته ولا تعقل مركباته فصد بمكة فترك الدم يجري حتى مات نزفا سنة 669 ه .