خليل الصفدي

81

أعيان العصر وأعوان النصر

وكان كاتبا خبيرا ، عارفا بأمور الديوان بصيرا ، وعنده مشاركة في علوم ، وممارسة لما يتصف به أهل الحلوم والفهوم ، وفيه سكون مفرط ، وعدم رهج ، وانجماع سلك به في الدهر ، فردّ نهج ، وله عبارة إذا ترسل ، ومقاصد بليغة بها يتوصل إلى مراده ويتوسل ، ما خدم عند أحد إلّا وسلّم إليه قياده ، ورأى أن بيده صلاحه وفساده . ولي نظر الجيوش بالديار المصرية في أيام الملك الصالح إسماعيل « 1 » فباشره بقعدد وسكون ، وتقرّر في ذهن أولياء الأمر ، أنه مهما رآه هو الذي يكون ، وكان محظوظا في خدمه ، والسلام والأمانة نعم العون لأرباب السيوف والأقلام . ولم يزل إلى أن بلغ نهاية أمده ، وتفرّد في قبره بمعتقده ، وتوفى - رحمه اللّه تعالى - في المحرم سنة أربع وخمسين وسبعمائة . وكان في أول أمره يكتب عند الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب « 2 » بدمشق ، ولما توجّه إلى مصر أخذه معه ، وهناك أسلم ، وكان أولا سامريّا ، وكان يميل إلى عقله ، ويعتمد إلى تصريفه ، ولما أمسك الحاجب ، أخذه الأمير بهاء الدين أرسلان الدوادار الناصري « 3 » ، فمال إليه ، واعتمد عليه ، ولما مات أرسلان أخذه الأمير سيف الدين طشتمر أمير حمص « 4 » ، أحضر عنده ، فدخل إليه وعلى الأمير جملة من الديوان ، فما كان عن قليل حتى وفّى ديونه ، وجعل في خزانته جملة من الحاصل ، فأحبه وزاد في تعظيمه وإكرامه ، ولما عاد الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب إلى الديار المصرية بعد نيابة صفد ، أراد عوده إليه فتعذر ذلك ، ودخل طشتمر إلى السلطان ، وسأله في إبقائه عنده ، فرسم له بذلك ، ولكن بقي أمين الدين يتردد إلى باب الحاجب كل قليل ، وما جسر على مقاطعته ، وأراد السلطان الملك الناصر مرات أن يأخذه ، ويستخدمه في نظر الدولة ، أو غير ذلك من الوظائف ، فيدخل طشتمر على الخاصّة المقربين في ذلك ، فيسألون له السلطان في ذلك ، وكان طشتمر ما يفارقه ، ولما أخرج لنيابة صفد أخذه معه ، ولما توجه إلى حلب أخذه معه ، ولما دخل البلاد الرومية أخذه معه إلى الروم ، ولما عاد منها عاد معه إلى مصر ، ولما مات طشتمر - رحمه اللّه - طلبه الأمير سيف الدين قماري « 5 » أخو بكتمر الساقي ، وكان في الأيام

--> ( 1 ) أورد له المصنف ترجمة في موضعها . ( 2 ) أورد له المصنف ترجمة في موضعها . ( 3 ) أورد له المصنف ترجمة في موضعها . ( 4 ) أورد له المصنف ترجمة في موضعها . ( 5 ) أورد له المصنف ترجمة في موضعها .