خليل الصفدي

51

أعيان العصر وأعوان النصر

واستنشده شيئا من شعره ، فقال : أما القديم فلا يليق ، وأما الوقت الحاضر فنعم ، وأنشده : ( الطويل ) وما كلّ وقت فيه يسمح خاطري * بنظم قريض فائق اللّفظ والمعنى وهل يقتضي الشّرع الشّريف تيمّما * بترب ، وهذا البحر يا صاحبي معنا وبعض الناس يحكي أن ذلك اتفق له مع الشيخ صدر الدين بن الوكيل « 1 » ، - رحمه اللّه تعالى - ، قلت : وليس ذلك بصحيح ؛ فقد ذكر المؤرخون ، أن شميما الحلّيّ « 2 » لما قدم إسعرد ، قصده شعراؤها ، وأنشدوه أشعارهم ، وكان فيهم من أنشده شعرا استكثره عليه ، وقال : انظم الآن لي شيئا ، فأنشده ذلك الرجل في الحال ، وهذا هو الصحيح ؛ لأن شميما الحلي توفى بالموصل سنة إحدى وستمائة ، ولم يكن عين بصل قد خلق . وكان عين بصل فقيرا يهبه الناس قماشا ، وما يكلفونه معاشا ، وكان يلبس القطعة مدة ، وإذا أفلس باعها ، ومدّ إليها كف نفقته وباعها ، فلامه بعض الناس على هذا الاعتماد ، وقال : هذا موجب لأن يسوء منهم فيك الاعتقاد ، فأنشده ارتجالا ، وقال له لا تمتلئ مني ملالا : ( البسيط ) فقلت : مه يا عذولي كم تعنّفني * لو جعت قدت ، ولو أفلست بعت قبا ومما ينسب إليه قوله في الشبكة والسّمك : كم كبسنا بيتا ؛ كي نمسك * السّكّان منه في سائر الأوقات فمسكنا السّكان ، وانهزم البيت * لدينا ؛ خوفا من الطّاقات قلت : وقد رأيتهما أيضا لغيره . ولم يزل في اكتسابه ، وتعاطيه للشعر وانتسابه ، وتوكّله على بر الناس له واحتسابه ، يخبط بين الحباكة والحكاية ، وينقلب من الشكر إلى الشكاية ، إلى أن رقد فما انتبه ، وعتب صاحبه الموت فيه فما أعتبه . وتوفى - رحمه اللّه تعالى - سنة تسع وسبعمائة .

--> ( 1 ) الشيخ صدر الدين بن الوكيل هو : محمد بن عمر بن مكي بن المرحل الشافعي ، المتوفى في سنة 716 ه ، ( انظر : الدرر الكامنة : 4 / 115 ، والنجوم الزاهرة : 9 / 233 ) . ( 2 ) شميم الحلي هو : أبو الحسن علي بن الحسن بن عنتر الحلي الأديب ، المتوفى في سنة 601 ه ، ( انظر : سير أعلام النبلاء : 21 / 411 ) .