خليل الصفدي
414
أعيان العصر وأعوان النصر
أنه ربما قد عزم على العصيان ، فأركب الأمراء والعسكر الحلبي ، وأحاطوا بدار النيابة ، فلمّا أحسّ بهم خرج إليهم ، وسلّم سيفه بيده إلى عمر شاه ، وقال : أنا مملوك السلطان وتحت طاعته الشريفة ، فأمسكوه وقيّدوه ، واعتقلوه بقلعة حلب ، وطولع السلطان بأمره ، وكان ذلك في العشر الأوسط من شوال سنة ثمان وأربعين وسبعمائة ، وأحضره الأمير سيف الدين بلجك إلى قلعة دمشق مكبّلا بالحديد ، فأقام بها معتقلا في القلعة أياما يسيرة ، ثم إنه طلب إلى مصر ، ولمّا وصلها جهز إلى الإسكندرية . وحكى لي من أثق به انه لمّا وصل إلى دمشق ، أدخله الأمير سيف الدين أرغون شاه إليه في الليل ، فقال له : واللّه يا خوند ! رأيت في الطريق فلاحا ، يسوق حمارا أعرج معقورا ، وهو في أنحس حاله ، فتمنّيت لو كنت مثله فرقّ له . ولم يزل معتقلا بالإسكندرية إلى أن أفرج عنه ، وجهّز إلى دمشق ؛ ليتوجّه إلى طرابلس ، ويقيم بها بطّالا ، فوصل في الخامس عشر من شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وسبعمائة . وفي أوائل جمادى الأولى أعطي طبلخاناه سنقر الجمّالي بها ، ثم إنه نقل إلى دمشق فأقام بها ، وأخذت المراسلات تدور بينه وبين الأمير سيف الدين الجيبغا نائب طرابلس ، إلى أن جرى ما جرى منه ومن الجيبغا - على ما تقدم في ترجمة الجيبغا ، وهرب من دمشق مع الجيبغا ، ولمّا أمسك الجيبغا ، فارقه أياز وانفرد عنه في ثلاثة أنفار من مماليكه ، فأمسكه ناصر الدين بن المعين وبعض أجناد بعلبك في قرية العاقورة ، وقد لبس لبس الرهبان ، وأحضره إلى بعلبكّ فقيّدوه ، ودخلوا به القلعة ، ولمّا بلغ الخبر العسكر الشامي أخذوه من بعلبك ، وجاءوا به إلى دمشق هو والجيبغا مكبّلين في الحديد ، وجرى لهما ما جرى ، ووسّطوه في سوق الخيل بدمشق هو والجيبغا - على ما تقدّم في ترجمة الجيبغا ، وجزع جزعا عظيما وهلع ، وذل وخضع ، وأخذ سكينا من واحد كان واقفا إلى جانبه ، وأراد يذبح بها نفسه أو يجرح غيره ، فأعجلوه وضربوه بالسيف ووسّط ، فخاض السيف في أحشائه ، واستقى نفسه من قليب قلبه برشائه ، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة خمسين وسبعمائة . وقلت فيه : ( الكامل ) لمّا أنار أياز في أفق العلا * خمدت سريعا لامعات علوّه
--> 3 / 198 ) .