خليل الصفدي

369

أعيان العصر وأعوان النصر

إلى حتف أنفه بهمذان . وحصل له في سنة أربع عشرة وسبعمائة فالج وهو بهمذان ، قلت : وكان الأفرم ذا قوة ونجدة ، يقاوم في الحروب بعدة ، وما تمتع أحد بالقصر الأبلق كما تمتع ، ولا ثبت له للهو كما ثبت له وما تتعتع ، وكان مغرى بحب الصيد ، لا يكاد يمله يطلع الهلال فيه ، ويبدر ويستهله ، وكانت له خيول تشد للكر ، وخيول تشد للقنص ، وهو من هذا السرج إلى هذا السرج ، يعد ذلك من الفرص ، وكانت أيامه ممتزقة في الصيود ، والقنص بالجوارح والكلاب والفهود ، ومع هذا لا يخل بالجلوس للأحكام ، والتصدي لمصالح الإسلام ، وقضاء حوائج الناس ، وإغاثة ذوي اللهفات والعدم واليأس ، وتحصين الحصون ، وملء كل ثغر بما يحتاج إليه من الحاصل المصون ، وترتيب رجاله ، وتفقد أحواله ، وإدرار النفقات عليهم ، ووصول الإنعامات إليهم ، وادخار السلاح ، وما يحتاج إليه من زرديات وقسي وجروح ورماح ، ولا يزال يتفقد هذا بنفسه ، ويتوكل بأمره في يومه كما كان في أمسه ، وقصّاده لا تزال في بلاد العدو فرقة داخلين ، وفرقة خارجين ، وبريد يخفق إلى باب السلطان بحركات العدوّ إن كانوا متحركين أو ساكنين ، إلّا أنه كان يسمع كلام كل قائل ، ويميل إلى من لم يكن بطائل ، ويبقى أثر ذلك في قلبه كامنا ، إلّا أنه لا يرتب تحريك أذى يكون ساكنا . وكان واسع السماط ، كثير الانشراح والانبساط ، ويتخرق ريحه كرما ، ويضيء جوده للسائرين ضرما ، ولكنه قليل العطاء ليس لبخل عنده ، ولا لإمساك يوري زنده ، ولكن لضيق ذات يده ، وعدم حاصل يضطرب جوده في إنفاق مدده ، قال لي من اطلع على أمره : إنه أكثر ما ملك سبعة آلاف دينار ، وكان خيّرا عديم الشر والأذى ، لا يحب أن يرى في عين أحد قذى ، لا يؤثر الظلم ، ولا يفارق حمى الأناة والحلم ، ما سفك دما إلّا بالشرع ، ولا غلّب أصل مأثمة على فرع . ونادم في دمشق الشيخ صدر الدين بن الوكيل ، وبدر الدين بن العطار ، والملك الكامل ، وغيرهم من المطابيع الأفاضل ، والرؤساء الأماثل ، وأحبه أهل دمشق ، ونقشوا ركنه على أطرزتهم وآلاتهم ، واستعملوه في جميع حالاتهم . ونظم فيه الشعراء ، ومن أحسن ما جاء فيه قول الشيخ نجم الدين هاشم البعلبكي الشافعي : ( الطويل ) سيوف سقاها من دماء عداته * وأقسم عن ورد الرّدى لا يردّها وأبرزها في أبيض مثل كفّه * على أخضر مثل المسنّ يحدّها وكان زنكه غاية في الظرف ، وهو دائرة بيضاء يشقها شطب أخضر عليه سيف أحمر