خليل الصفدي

365

أعيان العصر وأعوان النصر

وكان قد نقل الأفرم إلى الشام قبل النيابة ، وأقام بها مدة طويلة في مجالس أنس ولهو وطرب ، يغشى الناس ويغشونه ، ولما كانت أيام العادل كتبغا ، وتقدم حسام الدين لاجين ، وصار نائب مصر ، اشتد عضد الأفرم به ؛ لأنهما كانا ابني خالة ، فلمّا تسلطن لاجين ، كان الأفرم بدمشق ، فطلبه وجعله حاجبا ، وبقي بمصر مدة على ذلك يبيت ويصبح بقلعة الجبل . ولما كان يوم الخميس - وهو اليوم الذي قتل فيه لاجين عشية - نزل الأفرم تلك الليلة ، وبات في القاهرة في داره - وهي دار الشريف ابن ثعلب - ، وبات بها هو والأمير شرف الدين حسين بن جندربك . أخبرني من لفظه الأمير شرف الدين حسين بن جندربك ، قال : بينا نحن تلك الليلة وإذا بالباب يطرق ، وقائل يقول : خلوا الأمير يكلّم السلطان ، وآخر في آخر في الحث في طلبه ، فهمّ الأفرم بفتح الباب ، فقلت له : تأنّ على نفسك ، فخاطري قد حدثني بأمر ، وأخشى على السلطان من أمر حدث ، فانتبه لنفسه ، وقال : ما العمل ؟ قلت : تحيل على من يخرج إلى السوق ، ويكشف الخبر . فدلينا مملوكا من السطح ، فما لبث أن عاد إلينا بالخبر ، فخرجنا على حمية ، وركبنا وطلعنا إلى خيل الأفرم ، وكانت خراج البلد ، فأخذنا الخيل ، وانعزلنا إلى القلوبية ، واجتمع عليه ممالكيه وأصحابه واللاجينية ، ونشر أعلامه ، ودق طلبلخاناته ، وبقي يتنقل حول بركة الحجّاج إلى عكرشة إلى المرش إلى ما دون بلبيس ، وهو على غاية الحذر ، إلى أن ترددت الرسل بينه وبين أمراء القلعة ، وتأكدت الأيمان بينهم ، فهمّ بالطلوع إلى القلعة ، ثم إنه رد من الثغرة ، وفلّ أكثر من كان معه ، وكاد يؤخذ ، فأتى اللّه بالأمير بدر الدين بكتاش أمير سلاح والأمراء المجردين بحلب ، فانضم إليه الأفرم ، وكان معه إلى أن قتل كرجي وطغجي ، وتقرر الأمر على طلب السلطان الملك الناصر من الكرك بإجماع رأي سبعة من الأمراء ، وكان الأفرم سادسهم ، فتصدر الكتب بخطوط السبعة والأفرم السادس ، ولما حضر السلطان ، واستقرت دولته ، بعثه إلى دمشق كالحافظ لها ، فوصل إليها على البريد في الثاني عشر من جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وستمائة ، وحكم فيها بغير تقليده مدة . انتهى أو كما قال . ثم إن الأفرم سعى لها سعيها ، فجاء تقليده بنيابة دمشق ، وكان هو والجاشنكير متظاهرين لما يجمعهما من البرجية . أخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل اللّه ، قال : حدثني والدي ، قال : دخلت يوما على الأفرم ، وهو في بقية حديث ، يتشكى فيه من افتئات سلار والجاشنكير ، وما هما فيه ، ثم التفت إليّ ، وقال : يا فلان ! ، واللّه هذا بيبرس لما كنا في البرج كان يخدمني ، ويحكّ