خليل الصفدي

356

أعيان العصر وأعوان النصر

ولما توفى الملك الناصر ، وتولى ولده الملك المنصور أبو بكر ، صادره وسلمه إلى الأمير علاء الدين طيبغا المجدي ، وأخذ منه كل ما يملكه ، وأمر برد كل ما اغتصبه ، وأخذه باليد العادية على الناس ، ولم يبق له تصرف في ماله ، إلى أن طلب مائة درهم ، فأعطاه إياها الأمير علاء الدين طيبغا المجدي . ولما تولى الملك الأشرف كجك ، أخرجه الأمير سيف الدين قوصون إلى دمشق ، فأقام بها قليلا ، وتوجه مع الفخري إلى مصر ، فرسم له الناصر أحمد بنيابة حمص ، فحضر إليها ، وأقام بها إلى جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة . ورسم بإحضاره إلى دمشق ، فأتى إليها ، وأقام بها من جملة أمراء المقدمين ، فلمّا كان في شوال من السنة المذكورة ، حضر مرسوم الملك الصالح إسماعيل بإمساكه ، فأمسك هو والأمراء الذين اتهموا بالميل مع الناصر أحمد ، وأودع معتقلا بقلعة دمشق ، ثم إنه طلب بعد قليل إلى مصر ، فتوجه به الأمير بدر الدين بكتاش المنكورسي « 1 » ، وكان ذلك آخر العهد به . 293 - أقبغا « 2 » الأمير سيف الدين الحسني الناصري . كان رفيع المنزلة والمكانة ، مؤثل المرتبة من خاطر أستاذه ثابت الركانة ، إلّا أنه زاد في دلاله ، وأفرط في اعتدائه وقوامه ، بالغ في اعتداله ، فما أفاده سحر أجفانه ، ولا نفعه تبسم ثغره عن أقحوانه ، وهون السلطان على قلبه أمره ، وأخرجه إلى دمشق ، ولكن على إمرة ، فأقام بها على غير استقامة ، وأصر على غيّه ولم يقبل نصحا ، ولم يصغ إلى ملامه ، ولازم الشراب وعاقره ، ونسي أمر تنكز عواقبه وعواقره ، فكتب إلى السلطان في معناه ، وجعل القلعة مغناه ، ولبث معتقلا في قلعة دمشق زمانا ، ولم يجد من حادث الدهر أمانا ، ثم إنه فك صفده ، وجهز إلى صفد ، فأقام بها وفداء سعده ما وفد ، إلى أن أذوى الحمام زهرته ، وأسكنه حفرته . وتوفى بصفد - رحمه اللّه تعالى - . وكان قد اعتقل بقلعة دمشق زمانا إلى أن قدم السلطان من الحجاز في سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة فأخرج عنه في المحرم وجهّز إلى صفد .

--> ( 1 ) أورد له المصنف ترجمة . ( 2 ) انظر : الدرر الكامنة : 1 / 1004 .