خليل الصفدي
325
أعيان العصر وأعوان النصر
والإنعامات على وجوه الدولة وغيرهم ، ولقبه بالملك الصالح ، ثم إنه بعد قليل لقبه بالملك المؤيد ، وذلك لما حجّ معه في سنة تسع عشرة وسبعمائة ، وعاد معه إلى القاهرة ، وأذن له أن يخطب له بحماه وأعمالها ، على ما كان عليه عمّه المنصور ، وكان في كل سنة يتوجه إلى مصر ، ومعه أنواع من الرقيق والجواهر والخيول المسوّمة وسائر الأصناف الغريبة ، هذا إلى ما هو مستمر في طول السنة ، مما يهديه من التحف والطرف . وتقدم السلطان إلى نوابه بالشام بأن يكتبوا : يقبل الأرض ، وكان الأمير سيف الدين تنكر - رحمه اللّه تعالى - يكتب إليه : يقبل الأرض بالمقام الشريف العالي المولي السلطاني الملكي المؤيد العمادي . وفي العنوان صاحب حماة ، ويكتب السلطان إليه أخوه محمد بن قلاوون - أعزّ اللّه تعالى أنصار المقام الشريف العالي السلطاني الملكي - المؤيدي العمادي بلا مولوي ، وكان الملك المؤيد يقول : ما أظن أني أكمل من العمر ستين سنة ، فما في أهل بيتي - يعني بيت تقي الدين - من كملها . وكان الملك المؤيد - رحمه اللّه تعالى - قد نزل في مكان المكارم ، وعمر في الشجاعة بيتا في القنا والصوارم ، يتصبّب جودا سماحه ، ويتضبب بالبأس ذبله وصفاحه ، له حنوّ زائد على أهل الفضائل ، وتطلع إلى إنشاء الفوائد ، وإثارة المسائل ، آوى إليه أثير الدين الأبهري « 1 » فبهره جوده ، وغمره نائله وعمته وفوده ، وتصدر في مجلسه قاعدا ، ووقفت لديه جنوده ، ولوى الحظ المدبر جيده إليه ونشرت بروده ، ومدحه شعراء عصره ، وحملوا أبكار أفكارهم إلى قصره ، ففازوا بالمهور الغالية ، وحازوا الأجور العالية ، ورتب لجماعة منهم في كل سنة شيئا قرره ، وبذلا رتبه في ديوانه وحرره ، منهم شاعره الشيخ جمال الدين محمد بن نباته « 2 » ، وكان راتبه في السنة عين مبلغ ستمائة درهم لا بد من وصوله ودخوله في حوزته ، وحصوله غير ما يهديه إليه في أثناء السنة ، وتتضاعف فيه الحسنة ، ورتب لأسد اليهودي - الذي تقدم ذكره - راتبا كفاه ، وملأ كف رجائه وسدّ فاه . وكان قد امتزج من العلوم بفنونها ، وأخذ منها نخبة فوائدها ومحاسن عيونها ، فنظم
--> ( 1 ) الأبهري هو : المفضل بن عمر الأبهري السمرقندي أثير الدين منطقي ، له اشتغال بالحكمة ، والطبيعيات ، والفلك ، من كتبه هداية الحكومة ، والايساغوجي ، ومختصر في علم الهيئة ، وتنزيل الأفكار في تعديل الأسرار ، وغير ذلك كثير ، توفى سنة 63 ه . ( انظر : فهرس المؤلفين : 302 ، وآداب اللغة : 3 / 105 ، والفهرس التمهيدي : 457 ) . ( 2 ) محمد نباته : هو جمال الدين بن نباته المصري ، شاعر محلق ، سبق ذكر ترجمة له .